وكان وجود الصورة في المتوسطات هو بضرب متوسط بين الروحانية والجسمانية ، وذلك أن وجود الصور خارج النفس جسماني محض ، ووجودها في النفس روحاني محض ، ووجودها في المتوسط متوسط ، وأعنى ب « المتوسط » هاهنا آلات الحواس والأمور التي من خارج في الحواس التي تحتاج إلى ذلك . فالآلات بالجملة إنما احتاجت إليها الحواس لكون إدراكها شخصا روحانيا ، فان الروحاني الكلى لا يحتاج [ 64 ب ] إلى هذه الآلات . - ظهر من هذا القول أن كون هذه الصور التي في النفس روحانية جزئية هو السبب الذي اضطر أن يكون هذا الإدراك بمتوسط . وبحقّ ما كان ذلك كذلك ، فان الطبيعة من شأنها أن تسير من الوجود المقابل إلى مقابله بمسيرها أولا إلى المتوسط . وليس يمكن أن يقال الروحاني من الجسماني إلا بمتوسط . ولذلك كلما كانت هذه المتوسطات ألطف ، كان الإدراك أتم وأفضل . وأما قول من قال إنه لو أدركت النفس بمتوسط ، لكانت إنما تقبل من ذلك بقدر المتوسط ، أعنى إن كان صغيرا قبلته صغيرا ، وإن كان كبيرا قبلته كبيرا ، فان هذا إنما يلزم في الإدراك الجسماني لا الروحاني . وأرسطو يبطل قول من قال إن القوة المبصرة تمتد من العين حتى تصل إلى الشئ المنظور فيه - بحجج : منها « 1 » : إن كان ما يجب بحسب هذا الرأي أن ينظر البصر إلى الأشياء في الظلمة كما ينظر إليها في الضوء ؛ وإن من يقول بامتداد الأشعة لا يحتاج البصر عنده إلى المتوسط ولا إلى الضوء . ومنها « 2 » : أنه لو كانت قوة النفس ، أعنى الجنس المشترك ، هو الذي يمتد إلى الأشياء حتى يحسها لم يحتج إلى الشباك التي في العين ، أعنى الطبقات ، ولما كان يجب أن يدخل على هذه القوة فساد [ 65 ا ] إذا تعطلت منها شبكة . الحجة الثالثة منها : لو كانت النفس تمتد حتى تلقى المحسوس ، لكان إدراكها لجميع المبصرات واحدا : النائية والقريبة . وبالجملة ، من يقول بالأشعة الخارجة من العين فلا بد « 3 » له من أحد أمرين : أحدهما إما أن يضع « 4 »
في النفس — صفحة 203
مساهمون: أرسطو
ص٢٠٣
هامش
( 1 ) عند هذا الموضع في الهامش : الحجة الأولى .
( 2 ) عند هذا الموضع في الهامش : الحجة الثانية .
( 3 ) ص : فلا يدركه من . . .
( 4 ) يضع : يفترض .