أنه لو كانت هذه الصور موجودة لها بالفعل لما احتاجت إلى الصور التي من خارج في حصول العلم بها ، ولكان يحصل لها العلم بمحسوساتها قبل أن تحس بالأمور [ 63 ب ] التي من خارج ، ولكانت إذا شاءت أن تحس محسوسا ألقت « 1 » عنها شعاعها من ذاتها فأدركته . وأيضا لو كان الأمر هكذا ، لكانت هذه الآلات باطلا وعبثا ، والطبيعة لا تصنع « 2 » باطلا . وأما من رأى صور المحسوسات تنطبع في النفس انطباعا جسمانيا ، فقد يدل على بطلانه أن النفس تقبل صور المتضادات معا ، والأجسام ليس يمكن فيها ذلك ؛ وليس تلفى هذه للنفس فقط ، بل وللمتوسطات : فإنه يظهر أن بجزء واحد من الهواء يقبل الناظر اللونين المتضادين إذا نظر شخصين أحدهما أبيض والآخر أسود . وأيضا فان كون الأجسام العظام مدركة للبصر بالحدقة على صغرها حتى إنها تدرك نصف الكرة من العالم - دليل « 3 » على أن الألوان وما يتبعها ليست تحل فيها حلولا جسمانيا بل حلولا روحانيا ، ولذلك يقول : إن هذه الحواس إنما تدرك معاني المحسوسات مجردة من الهيولى : فتدرك معاني اللون مجردا من الهيولى ، وكذلك تدرك معنى المشموم والمطعوم وسائر المحسوسات . وإذ قد تبين أن هذا الإدراك روحاني « 4 » ، فيقال لمن أنكر أن يكون إدراك المحسوس بمتوسط : إن المعاني التي تدركها النفس إدراكا روحانيا منها جزئي [ 64 ا ] وهي المحسوسات ، ومنها كلى وهو المعقولات . ولا يخلو هذان الصنفان من المعاني أن يكون إدراك النفس لهما « 5 » بجهة واحدة من الجهات الروحانية ، أو بجهتين . ولو كانت بجهة واحدة لكانت المعاني الكلية والجزئية واحدة - وذلك مستحيل . وإذا كان هذا هكذا ، فهي تدرك المعاني الكلية بجهة ، والجزئية بجهة . أما المعاني الكلية فتدركها إدراكا غير مشارك لمادة أصلا ، ولذلك لا يحتاج فيها إلى متوسط . وأما المعاني الجزئية فتدركها بأمور مناسبة للأمور الجزئية ، وهي المتوسطات ؛ ولولا ذلك لكانت المعاني التي تدرك كلية لا جزئية
في النفس — صفحة 202
مساهمون: أرسطو
ص٢٠٢
هامش
( 1 ) ص : لقت .
( 2 ) ص : تضع .
( 3 ) خبر « إن » ، واسمها : « كون . . » .
( 4 ) ص : الروحاني . أو يكون النص : تبين أنّ ( - وجود ) هذا الإدراك الروحاني . . . ؟
( 5 ) ص : لها .