تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في النفس — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨

والأسود ، إذ كانت متولدة عنهما . ولما كانت الألوان إنما تتولد عن الأبيض والأسود ، كان اختلافهما بالأقل والأكثر اختلافا متفننا غير متناه من جهة المادة ، ووجب « 1 » أن تكون الألوان غير متناهية في الطبيعة ، فإنه كلما توهم النطق الباطن فيها نوعا من الامتزاج أبرزته « 2 » وإن كان النطق الخارج مما لا يقدر أن يعبر عن ذلك القدر ؛ ولهذا [ 60 ب ] كانت الصناعة في هذا المعنى كما يقول أرسطو مقصرة عن الطبيعة ، فان الصناعة إنما تبرز من مقادير الألوان التي في النطق الباطن ما قدر النطق الخارج أن يعبر عنه . وأما الطبيعة فإنها تبرز كل ما كان في النطق الباطن الروحاني ، ولهذا كانت أشرف من الصناعة وكان شرف الصانع إنما هو في جودة تشبيههه بالطبيعة بحسب الممكن . وأيضا فان الباطن الروحاني الذي عنه تفعل الطبيعة ما تفعله وتبرز ما تبرزه ليس له شئ فوق الطبيعة عن إدراك ما يلقى إليها من ذلك ، كالحال في النطق الروحاني الباطن الذي عنه يفعل الصانع ، فان النفس البهيمية الموجودة في الحيوان ليست تعرف أفعالا « 3 » بل تفرح وتلتذ بما تبرزه الطبيعة من الألوان والأصوات لأنها موجودة في النفس البهيمية بالقوة ، فإذا أبرزتها الطبيعة سرّت بها النفس البهيمية وفرحت بادراكها . - وأما النطق الباطن الذي عنه تفعل الصناعة فإنه لا تعرفه النفس البهيمية ، ولذلك لا يدرك الصانع مما يلقى إليه النطق الروحاني إلا آثارا وأعراضا بعيدة من الأشياء التي تلقيها الطبيعة . ولذلك كانت الأمور المتقدمة في المعرفة عند الصانع متأخرة في الوجود بعكس ما عليه الأمر عند الطبيعة . وأيضا فان الصانع خارج [ 61 ا ] الشئ ، والطبيعة داخل الشئ . فهذه الأشياء « 4 » التي بها افترقت الصناعة من الطبيعة . ولذلك كانت الألوان والأصباغ التي في النطق الباطن تكاد أن تكون غير متناهية . ولذلك قد تظهر الطبيعة من الألوان والأصباغ ما يعجز الصباغون عن كنهه . وذلك أن الصناعة لما كانت إنما تتقبل الطبيعة وتصير إلى التقدم عندها من المتأخر ، لم تدرك من تلك المراتب التي عند الطبيعة إلا مراتب جليلة ، أعنى شديدة التباعد بعضها من بعض ، وبين تلك المراتب عند الطبيعة مراتب

هامش
( 1 ) بغير واو العطف في المخطوط .
( 2 ) ص : أبدرته .
( 3 ) ص : أفعال .
( 4 ) ص : الشئ .
في النفس — صفحة 198 | أرسطو