بغيرها كان واجبا أن تكون الألوان مركبة من هاتين الطبيعتين ، أعنى طبيعة المشف وطبيعة النير ؛ وأن يكون الفاعل لاختلافهما إنما هو اختلاف هاتين الطبيعتين في الكمية والكيفية . فاللون الأبيض يتولد عن امتزاج النار الصافية مع الأسطقس الذي في غاية التشفيف ، وهو الهواء . واللون الأسود يتولد عن النار الكدرة التي تمتزج مع أقل الأسطقسات شفيفا ، وهي الأرض . والألوان المتوسطة بين الأبيض والأسود تتولد عن اختلاف هذين الشيئين بالأقل والأكثر ، أعنى اختلاف الجسم المشف والغير مشف . ولذلك كان اللون الأبيض والأسود هما اسطقسا الألوان . وإذا كان ظاهرا من اللون ، وكان اللون إنما يكون في سطح جسم محدود - وبهذا يفترق اللون من الضوء - فان الضوء هو كمال المشف الغير محدود . وليس اللون شيئا يحدث في المركب عن بخار الأجزاء الصغار الشفافة التي في الأسطقسات ، كما يرى ذلك قوم : فإنه ليس يحدث عن الأسطقسات شئ على جهة التجاور ، على ما تبين في كتاب « الكون » ؛ وإنما يحدث ما يحدث عنها على جهة الامتزاج . ولكون الضوء إنما يكون في جسد شفاف ، كان آل فيثاغورس يعتقدون أن تولد الضوء ليس يوجد للأجسام المنيرة بذاتها إلا عند اتحاد الضوء بجسد آخر . والفرق [ 60 ا ] بين النار والأجسام السماوية في ذلك بيّن . ومما قيل في ماهية اللون يبين أن اللون يقبله الهواء أولا ثم يوصله إلى البصر من جهة ما هو شفاف مضىء . والدليل على أن الهواء يتأثر عن اللون ويقبله ما يظهر من تلون الشئ الواحد بعينه بحسب ما يمر به من السحاب المضيء وربما أضاءت الحيطان والشخوص من الألوان التي تمر بها من السحاب - مثال ذلك أنه إذا مرت السحاب بالنبات الأخضر ، كثيرا ما تتلون الحيطان والأرض بلون ذلك النبات . فقد بان من هذا أن الألوان إنما تحدث عن امتزاج النار مع الأجسام المشفة ، وأن الضوء هو السبب في توصيل الألوان إلى البصر ، بل وفي وجودها . وأقول أيضا : كما أن اللون الأبيض المتولد عن الامتزاج أخس من لون الضوء إذ « 1 » كان متولدا عنه - كذلك أيضا سائر الألوان أخس من اللون الأبيض
في النفس — صفحة 197
مساهمون: أرسطو
ص١٩٧
هامش
( 1 ) ص : انه .