الدخاني ؛ ولذلك كانت المشمومات تشفى الدماغ ، أعنى لموضع برده وحرارة الحر الدخاني المشموم . فقد قلنا في آلات هذه الحواس . فلنقل في المتوسطات الثلاث التي تحتاج إليها الحواس الثلاث وفي خواصها وفي لوازمها . والمتوسط الذي تستعمله « 1 » هذه الحواس إما هواء في الحيوان [ 58 ا ] البرى ، أو ماء في الحيوان المائي . والدلالة على حاجة هذه الحواس الثلاث إلى المتوسط أنها إذا وضعت محسوساتها على الحاسة لم تدركها ؛ وكذلك إذا قامت بينها وبين المحسوسات أجسام غليظة مما ليس يصلح أن يكون متوسطا . وبالجملة ، فتظهر حاجة هذه الحواس وفعلها إلى المتوسط من قبل أنه متى فسد المتوسط فسد فعلها . ولهذا يخص المتوسطات « 2 » من جنس الآلات الخاصة بها ، أعنى أن يكون قابلا للمحسوسات بنوع ما ، من نوع قبول الآلات . وسيظهر السبب في ذلك إذا تبينت طبيعة الحواس المختلطة بالمتوسطات . ويخص قوة البصر من هذه الآلات أنها تحتاج مع المتوسط إلى الضوء . والدليل على ذلك أنها لا تبصر في الظلمة . وإذا حدث في الهواء دخان أو بخار يعوق نفوذ الضوء فيه ضعفت الرؤية . ولهذا إذا غضب المرء وهاجت الحرارة في عينيه أظلم بصره لمكان البخار . وربما رأى الشيء الواحد - كما قلنا - شيئين . وليس الضوء شيئا يؤخذ من طبيعتها ، وإنما يدخل عليها من خارج . ولو كان من نفس طبيعتها لأبصرت الأشياء في الظلمة . ولهذا يرى الذين يغمضون أعينهم : إذا فتحوها أن لا يروا الشئ على حقيقته إلا بعد ما يستنير بصرهم . [ 58 ب ] وقد يعرض للبصر أنه يرى الشئ رؤية روحانية قبل أن يراه من خارج على الحالة التي هو عليها . وسنبين علة ذلك فيما بعد . وهذه الرؤية إنما تعترى المبصر في الأكثر في الظلمة وعند السكون . ومن خاصة هذا الإدراك أنه لا يكون جيدا إلا في الضوء المعتدل ، لا في الضوء الشديد ولا في القليل . فقد بان من هذا أن الحواس الثلاث يخصها أنها تدرك محسوساتها بمتوسط ، وأن البصر يخصه - مع وجود المتوسط - حضور الجسم المضيء . وقد قيل في الضوء والمستضيء والإشفاف والمشف في « كتاب النفس » . وواجب أن تكون
في النفس — صفحة 195
مساهمون: أرسطو
ص١٩٥
هامش
( 1 ) ص : تستعمل .
( 2 ) ص : المتوسطان .