الحواس من هذين المتوسطين فقط ، أعنى الماء والهواء ( وذلك أن الحدقة من ماء ، والسمع من هواء ، والشم من كليهما ) ؛ ثم لا تصير النار « 1 » حاسة لشئ واحد ، بل تكون شائعة بينهما ( لأنه ليس يكون شئ حاس بغير حرارة ) ؛ وكذلك الأرض إما لم تكن لشئ من الحواس ، وإما كانت بالحرى للمس مخالطة له مختصة به . [ 50 ب ] وآخر ما تحصّل أنه لا يثبت حس من غير هواء وماء . وقد نهى « 2 » هذان لبعض الحيوان . فلا محالة أن جميع الحواس موجودة فيما لم يكن منقوصا أو معلولا ، وقد نرى الخلد « 3 » وله أعين تحت جلده . لذلك إن لم يكن ( جسم ) آخر أو عرض غير ما يعرف لما شاهدناه من الأبعاد « 4 » ، فليس يتعطل حس من الحواس . ولا يمكن أيضا أن يكون حس خاص يجمع بالعرض كل ما تدركه الحواس على حال انفرادها « 5 » : مثل الحركة ، والوقوف ، والشكل ، والعظم ، والعدد ، والواحد . فجميع هذه تدرك بالحركة ، كالعظم فإنه لا يعرف إلا بحركة ؛ وكذلك الشكل ، وهو الاسكيم ، لا يعرف إلا بحركة لأنه ضرب من ضروب العظم ؛ وأما الوقوف فإنما يدرك بلا حركة ؛ وأما العدد فإنما يدرك بأفوفاسيس « 6 » الاتصال وبما كان له خاصا « 7 » ، وذلك أن كل حس إنما يحس بشيء واحد . - وبذلك يستبين أنه لا يمكن « 8 » حسا من الحواس الاختصاص بجميعها ، كقولك بالحركة : وإلا جاز أن يدرك الحلو بالبصر . ( ولنا في حسنا إدراك الأمرين ، وإنما نعرف ذلك إذا اتفقا ) . وإلا فلسنا ندركها البتة إلا بالعرض كقولك في فلان : ابن سفرون « 9 » ، فإنه ابنه وهو أبيض ؛ والبياض إنما هو عرض في ابن سفرون . فأمّا الأشياء المشاعة من الحواس فنحن مدركوها بلا
في النفس — صفحة 63
مساهمون: أرسطو
ص٦٣
هامش
( 1 ) ص : حاسا .
( 2 ) بمعنى : بعض الحيوان يمتلك هذين .
( 3 ) الخلد : وهو حيوان من القوارض يعيش تحت الأرض ، ليس له أذنان ولا عينان في الظاهر . ويسمى في مصر عند العامة باسم : أبو أعمى .
( 4 ) الأبعاد : الأجسام .
( 5 ) في الهامش : لجميع كل ما تدركه الحواس بالعرض ( على حال انفرادها . . . )
( 6 ) ص : بأقاستين ( ! ) - وصوابه كما أثبتنا إذ في اليوناني - سلب ، نفى .
( 7 ) ص : خاص .
( 8 ) ص : حس .
( 9 ) في اليوناني : ابن اقليون .