[ استدلال القدماء على أنّ الخيال جرمي ]
وقد استدل القدماء على أنّ الخيال جرمي بوجوه « 1 » : الأول : إنّا نتخيل كبيرا وصغيرا وطويلا وقصيرا من نوع واحد ، كالإنسان مثلا ، فهذا التفاوت الموجود في خيالنا وتصوّرنا لا يجوز أن يكون بسبب النوع ؛ فإنّه واحد لا تفاوت فيه ؛ ولا للمأخوذ عنه فقد نتخيّل ما ليس بموجود في الخارج ؛ فليس التفاوت إلّا بمحلّ متقدّر هو فيه ؛ فهو قوة جرمية . الوجه الثاني : إنّا إذا تخيّلنا شكلا صليبيا على مقدار وهيئة لا يوجد في العالم ولا يؤخذ منه ، فإنّا نفرّق بين الجانب الأيمن والأيسر من ذلك الجسم المقاطع « 2 » للآخر ؛ فلا يخلو إمّا أن يكون اليمين واليسار المتخيّلين باعتبار المأخوذ عنه وليس كذا ؛ لأنّا لم نأخذه عن شيء خارجي معيّن ، ليلزم أن يكون اليمين واليسار المتخيّلين بسبب يمين ذلك الخارج ويساره ؛ وليس أيضا اليمين واليسار لاختلاف نوع المتخيّل الصليبي فإنّا فرضناه من نوع واحد ؛ ولا للمقدار والشكل والسواد والبياض وغير ذلك من الأحوال ، فإنّا فرضنا تساويهما في ذلك ؛ وليس ذلك ليمين ويسار كلّي في النفس ، فإنّ المتخيل المذكور نشاهد يمينه ويساره وجميع امتداداته متشخّصة متعيّنة لا كلية ؛ فبقي أن يكون ذلك اليمين واليسار إنّما هو لوضع حامله وحامل القوة الخيالية ؛ فتبيّن أنّ الخيال قوة جرمانية . ثم لو كانت هذه الصورة المتخيّلة مع امتداداتها المتعيّنة في المجرّد عن المادة كيف كان ، فأجزاء المتخيّل المفروضة لا تجتمع في محل واحد ، فإنّها لو اجتمعت لا يبقى لها ترتيب ومقدار ؛ فيلزم أن يكون أمر متقدر ليحل كل جزء