تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥

النفس جوهر مجرد عن المادة ، فكيف تكون علاقته كعلاقة الجسم بجسم آخر إمّا بمماسة أو مقابلة أو مجاورة ونحوه أو العرض بالجسم بحلوله فيه ؟ وليست العلاقة بينهما كعلاقة العلة والمعلول ، فالبدن لا يكون علة للنفس ، لأنّ الشيء لا يوجد ما هو أشرف منه ، ولأنّ تأثيره يختص فيما يناسبه وضعا . والنفس لا تكون علة للبدن وإلّا لامتازت دونه ، لأنّها ما لم تحصل متعينة لا تفعل ؛ فهي ، أعني العلاقة ، علاقة شوقية عشقية تكون للنفس إلى البدن لمناسبة بينهما ، لاستعداد البدن بالمزاج المخصوص لقبول أفاعيلها . وشبّه الحكماء المزاج الذي هو العلة في حدوث النفس وتعلّقها بالبدن واشتعاله بنار النفس المشتعلة من النار العظيمة المسمى ب « العقل الفعال » الذي قد ملأ أقطار العوالم نوره بفتيلة مبتلّة بزيت واشتعالها من مصباح جاورها ؛ ولما كان بين الحديد والمغناطيس ، مع كونهما جسمين ، من العلاقة الروحانية ما اقتضت تحريك أحدهما للآخر ؛ فلا تتعجب من تعلق النفس بالبدن وتحريكها له . وأمّا ما جاء في كلام القدماء « 1 » أنّ النفس الكلية متقدّمة على البدن ، فليس مرادهم ما يفهم من ظاهر اللفظ ، وإنّما يريدون بالنفس الكلية مجموع النفوس الحاصلة في الوجود ؛ لأنّ كل بدن حادث أو أبدان حادثة لا بدّ وأن يتقدّمها نفوس كثيرة غير متناهية ، فهذه النفوس الحاصلة يكون لها مجموع سابق دائما بخلاف الأبدان المفسودة التي لا كلية لها حاصلة ، فلا يكون لها مجموع . وقد يريدون عند إطلاقهم أنّ النفس الكلية متقدمة على الأبدان ، نفوس الأفلاك ؛ فإنّها متقدّمة على أبداننا ، لأنّ نفوسنا حادثة ، وحركاتها متقدمة « 2 » على جميع الحادثات ؛ ولا يريدون بالتقدّم تقدّم نفوس الأفلاك على أبدانها ، فإنّ جسم الفلك لا يسمّونه بدنا ، بل البدن إنّما يطلقونه على الحيوانات الأرضية . والأظهر « 3 » أنّ من قال بقدم النفس من الحكماء إن لم يكن أراد به ما ذكرناه

هامش
( 1 ) . المشارع ، ص 212 .
( 2 ) . ن : - متقدمة .
( 3 ) . ن : والأظهر .