فمرادهم بهذه الرموز ، إنّما هو النفس والقوى البدنية ؛ فإنّ النفس لمّا كان جوهرا نورانيا ، فالظلمة هي القوى البدنية ؛ وتسلّطها على النفس وجذبها إلى هذا العالم ، هو الذي حصرها وحبسها . وأمّا مدد الملائكة ، فمعناه مصادفة توفيق القدر بإعداد النفس للإشراقات العقلية وخروجها من القوة إلى الفعل . وأمّا الإمهال إلى أمد محدود ، فمعناه بقاء القوى واستعمالها إلى أوان الموت . وأمّا مرادهم بالفكرة الرديّة ، فهو إعراض النفس عن الأمور العقلية والتفاتها إلى الأمور المادية . واعلم أنّ المجوس ، وهم أصحاب زرادشت ، لهم كلام كثير في النفس والبدن وكيفية ارتباطهما . وسبب ذلك « 1 » تحصيل الكمال في هذا الارتباط وتخليص أحدهما عن الآخر بعد ذلك . وبالجملة ، فمسائلهم كلها لا تتجاوز أصلين وتدور على قاعدتين : إحديهما ، امتزاج النور بالظلمة ، أي النفس بالبدن . والثاني ، سبب خلاص النور عن الظلمة . وجعلوا ذلك المزاج مبدءا ، والخلاص معادا . وجميع أتباع زرادشت ودين المجوسية - من الثنوية والمانوية والمزدكية - يرون أنّ النفس جوهر مجرد نوراني وهو من عالم النور متعلق بالبدن الذي هو من عالم الظلمة ؛ فسعادته خلاصه عن الظلمة وخرقه الأفلاك وخروجه إلى عالم النور ؛ وشقاوته إنّما هو بقاؤه في الظلمة . ولهؤلاء القوم في هذا المقام أسرار ونفائس - هي العلوم على التحقيق - أخفاها الزمان ، كما أخفى العلوم النافعة والمطالب المهمّة المفيدة في الدنيا والآخرة واشتغال الناس في هذه الأزمنة بما لا يجدي نفعا كثيرا فيهما . وإذا عرفت تجرّد النفس عن العلائق البدنية ، وأنّ قواها الظاهرة والباطنة
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 477
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٧٧
هامش
( 1 ) . ن : + و .