بحسب الأزمنة والتشكلات الفلكية « 1 » الغريبة واقع أيضا . ولا يقال : إنّ الشيخ الهرم كما كلّت آلاته وضعفت قواه البدنية ، فكذلك كلّت قوّته العقلية فاختلّت إدراكاته . لأنّا نقول : لو كان الهرم كلالا للنفس ، لوجب أن يكون موجودا عند فتور المزاج والقوى ؛ فكان يجب الكلال في إدراك المعقولات والشعور بالذات بعد الأربعين وليس كذا ؛ فكلال النفس ليس لذاتها بل لاشتغالها بأحوال البدن والضعف الطارئ عليه ، فلا تكون مواتيه في الاستعمال ؛ والشيء قد يعرض له من أمر غيره ما يشغله عن أمر نفسه . وأيضا ، لو كانت النفس آلية ما أدركت ذاتها ولا آلتها ؛ فإنّ الآلة هي الواسطة بين الفاعل والمنفعل في وصول أثره إليه ، فلا تكون إلّا بين شيئين ؛ فلو أدركت ذاتها بآلة وأدركت آلتها بآلة أخرى ، لزم أن يكون بينها وبين نفسها واسطة ، وبينها وبين الواسطة المتعقلة واسطة أخرى وهكذا إلى ما لا يتناهى ، وذلك محال ؛ فيجب أن يكون إدراكها لذاتها بغير آلة ، ولذلك كانت القوى البدنية الآلية لا تدرك ذواتها ؛ فإنّ البصر لا يبصر نفسه ؛ والشم لا يشم نفسه وكذلك الباقي ؛ وأمّا النفس فهي مدركة لذاتها ولإدراكاتها ولجميع مشاعرها فليست بآلية . وأيضا « 2 » لو كانت النفس آلية ، أي يكون فعلها بالآلة ، لوجب أن يكلّها تكرّر الأفاعيل ، كالحواس البدنية . فإن قلت بأنّ النفس يعرض لها ملال عند إدراك المعقولات وملالها هو كلالها من كثرة ما أدركت المعقولات . قلت : ليس الملال هو الكلال ، بل هو مغاير له ؛ لأنّ الملول يستريح إلى الاستبدال عمّا كان يفعله فينتقل إلى غيره مسرورا من غير تأذّ ؛ وأمّا الكليل فلا يستريح بالاستبدال والانتقال بل يترك الفعل بالكلية ؛ وقد يكون الكلال سببا من أسباب الملال ؛ وليس حال إدراك النفس المعقولات كذا ، فإنّه لو كان ما
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 465
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٦٥
هامش
( 1 ) . ن : الفكلية .
( 2 ) . همان ، ص 208 .