تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦

يعرض النفس عند إدراك المعقولات بالأفكار يكون كلالا لها ، ما كان الموجب لكلالها بعينه موجبا لتشحيذ قوّتها ، لكن النفس عند إدراك المعقولات تزداد قوة ؛ والموجب للكلال لا يشحذ الشيء ويقوّيه بل يضعّفه ؛ فلو كان الملال هو بعينه « 1 » الكلال ، لكان الشيء الواحد ، من حيث هو واحد ، موجبا للشيء ولضدّه وذلك محال . وأيضا « 2 » ، لو كانت النفس آلية ما أدركت الضعيف بعد القوي ، كالحواس البدنية ، فإنّ البصر لا يدرك ما في البيت القليل الضوء إذا دخله عقيب رؤية الفضاء الشديد الضوء ؛ والشم لا يدرك الروائح الضعيفة عقيب القوية . ولهذه العلة لا تدرك الكواكب بالنهار ، لانفعال البصر بضوء الشمس الشديد فلا يدرك الكواكب بعد ذلك لضعف أنوارها ، لا لأنّها قد زالت أنوارها ؛ فإنّ الشمس لو أزالت أنوار الكواكب لوجب أن لا يرى أكثر الكواكب بالليل ولا يظهر ، لكون الأرض ليس لها من القدر ما يحجب بين الشمس وجميع الكواكب . ومن زعم من القدماء أنّ أنوار جميع الكواكب من الشمس فإذا زالت عن مقابلتها بطلت أنوارها ، فليس ذلك بصواب ؛ ولو كان الأمر كما ظنّوا ، لوجب أن يزيد أنوار الكواكب وتنقص بحسب قلة المقابلة وشدتها وينخسف بعضها عند حجاب الأرض ، كما يكون الحال في القمر ؛ ولوجب أن يزول أنوار الكواكب عند الكسوف العظيم ، فما كانت تظهر على الجوانب المختلفة منيرة ، وليس كذا ؛ إلّا أنّ الحق أنّ الكواكب ، وإن لم تكن أنوارها من الشمس ، فيزيد نورها وإشراقها بمقابلة الشمس ؛ فلو كانت النفس آلية كان حكمها حكم هذه الحواس المذكورة في إدراكاتها وليس فليس . وأيضا « 3 » ، لو كانت النفس منطبعة في عضو ما أمكننا أن نحكم على السواد والبياض بالضدية مجعولين معقولا واحدا ؛ فإنّ الحاكم عليهما بذلك يجب أن يتصور الأمرين حتى يصح جعلهما معقولا واحدا ؛ ولو كان الحاكم

هامش
( 1 ) . ن ، م : يعينه .
( 2 ) . همان ، ص 209 .
( 3 ) . همان ، ص 208 .