على السواد والبياض بهذا الحكم الواحد قوة منطبعة في الجسم ، فكان يجب أن يحلّ أحدهما غير محل الآخر ؛ وحينئذ يلزم أن ينفرد كل واحد من جزئي القوة بأحدهما دون الآخر ؛ فلا يمكن أحد الجزئين أن يحكم عليهما حكما واحدا ، فلا يحكم عليهما إلّا من حضرا عنده ؛ والقوة المنطبعة لا يحضرها ذلك ؛ فلا يمكنها الحكم بالمضادة ؛ فالحاكم بذلك قوة غير منطبعة ، وهو المطلوب . فهذه جملة من البراهين والاستبصارات الإقناعية تدلّ على أنّ النفس الناطقة قوة روحانية إلهية مجردة عن المواد ، غير منطبعة في جرم ولا منقسمة . وهي شعاع روح القدس ، كما أنّ هذا الشعاع المحسوس شعاع الشمس ، إلّا أنّ الشعاع النفسي لمّا قام بنفسه وكان ظاهرا في ذاته ولذاته وكان ألطف من الشعاع الشمسي بمراتب لا يحصيها إلّا البارئ تعالى ، غاب عن الحس وأنكره الجسمانيون من الإنس وتفطّن له المؤيّدون بالقدس . ومعرفة هذا الشعاع القدسي من أهمّ المهمّات الحكمية والمسائل الحقيقية ومعرفته « 1 » مفتاح الحكمة ؛ وليس للحكمة مفتاح غيرها ؛ ولا يتوصل إلى الدخول في ملكوت السماوات وتحصيل « 2 » مراتب الملكية إلّا بمعرفتها ؛ فهي أمّ الحكمة وأصل الفضائل ؛ فهي كما قال بعض الحكماء : من عرف نفسه أمكنه أن يعرف كل شيء ؛ ومن جهلها لا يمكنه أن يعرف كل شيء . وما ذكرناه هاهنا فهو معرفة لهذا الشعاع من جهة البراهين والإقناعيات ؛ وأمّا الذي تعرف به من جهة الذوق والشوق واللطف والصفاء والحدس فهو مذكور في الرسالة التي عملناها في النفس على أتمّ الوجوه الممكنة ؛ ولا يصير الإنسان فيلسوفا ولا حكيما حتى يعرف هذا الشعاع معاينة ويعرف بالبراهين تجرّده وبقاءه بعد خراب البدن وكونه مدركا لذاته ولغيره . « 3 » فإذا تقرّر هذا في نفس الطالب يستغني عن بيان كونها ليست ببدن أو عضو أو مزاج أو نسب أو نار أو هواء وغير ذلك ؛ فإنّ المذاهب كثيرة في ذلك
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 467
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٦٧
هامش
( 1 ) . ن ، م : معرفة .
( 2 ) . نسخهها : تحصل ؛ تصحيح قياسي .
( 3 ) . نزديك به سخنان سهروردى است در المشارع ، ص 207 .