ثم قولهم : إنّ العقل يجرّد الصورة عن المادة ، فيه نظر ؛ فإنّ الجسم إذا « 1 » كان مركّبا من المادة والصورة فلا يصير الجسم معقولا إلّا بهما ، فيحصل في العقل من كل واحد منهما صورة ، والمادة تصير معقولة بتجريد عن مادة أخرى ، إذ لا مادة للمادة . فإذا كانت المادة جزءا من كل نوع فلا يعقل كل نوع من أنواع الأجسام إلّا بالمادة والصورة ؛ فإذا كان تعقلهما سابقا على تعقل الجسم ، فكيف يقال : إنّا نجرّد الصورة عن المادة ؟ والمادة معقولة لذاتها لا بتجريد عن مادة أخرى ؛ وإن أراد بتجريد المادة عن الصورة حصول الصورة في النفس من غير مادة ، فلا يكون هذا تجريدا ؛ وإن سمّي تجريدا فيكون على سبيل المجاز .
القول « 2 » في تجرّد النفس عن المادة « 3 » الذي ذكرناه من البراهين من قبل ، إنّما دلّت على إثبات شيء مدبّر لبدن الإنسان ، ليس بجسم ولا عرض ؛ والغرض هاهنا إثبات أنّ ذلك الشيء جوهر ، ليس بجسم ولا حالّ في الجسم ؛ ويدلّ عليه وجوه : البرهان الأول « 4 » : إنّ في الوجود معقولات لا تقبل القسمة ، فيكون تعقّلها لا يقبل القسمة ؛ ويلزم منهما أن يكون محل تلك المعقولات غير قابل للقسمة ؛ وكل جسم وعرض حالّ فيه يقبل القسمة ، ينتج من الشكل الثاني : إنّ محل المعقولات ليس بجسم ولا عرض حالّ فيه . فهاهنا أربع مقدمات تفتفر إلى البيان : الأول : قولنا : « إنّ في الوجود معقولات لا تقبل القسمة » ، فبيانه من وجهين : الأول ، دلالة البرهان على أنّ البارئ والنقطة والوحدة غير قابلة للقسمة . الثاني ، إنّ الماهيات الموجودة إن كانت بسيطة فهي غير قابلة للقسمة ؛ و