إدراكها من غير أن تكون عارضة للأجسام ؛ فهي أشدّ استقصاء في التجريد ممّا قبلها ، إلّا أنّ هذه المعاني لم تجرّد عن اللواحق المادية بالكلية ، فلذلك « 1 » لم توجد إلّا جزئية من مادة معيّنة ، بحيث لو فرضنا عدم الذئب والسّنور لم تتصور عداوتهما للشاة والفأر . وأمّا « التعقل » ، فهو إدراك الشيء من حيث هو هو ، مجردا عن جميع العوارض الغريبة المذكورة ، بحيث يصحّ مطابقتها للمختلفات ؛ فالعقل لمّا جرّد الصورة عن المادة بالكلية فكأنّه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا ؛ هذا فيما يكون له لواحق خارج الذهن ؛ وإن « 2 » كان الشيء المعقول ليس له في ذاته شيء من هذه اللواحق فهو معقول لذاته من غير احتياج إلى تجريد . فهذه أربعة أنواع من الإدراك مترتّبة . فالإدراك الأول الحسي ، يشترط فيه ثلاثة شروط : حضور المادة ، واكتناف العوارض ، وأن يكون المدرك جزئيا . والإدراك الثاني الخيالي ، لا يشترط فيه الشرط الأول ويشترط فيه الشرطان الأخيران . والإدراك الثالث الوهمي ، يشترط فيه الشرط الثالث و « 3 » هو كون المدرك جزئيا دون الأوّلين . والإدراك الرابع العقلي ، يشترط تجرّده عن الجميع . وينبغي أن يعلم أنّ هذه الإدراكات إذا قيست إلى مدرك واحد يسقط الوهم عن الاعتبار ؛ لأنّ الوهم يدرك المعاني الجزئية الموجودة في المحسوسات ولا يدرك ما يدركه الحس والخيال من الصورة الجسمية بانفراده ؛ بل يحتاج في إدراكه لها إلى مشاركة الخيال . وبهذا السبب يتخصص مدركات الوهم وتصير جزئية . فلمّا لم يتّحد مدارك هذه الأربعة بالنسبة إلى مدرك واحد لعدم إدراك
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 451
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٥١
هامش
( 1 ) . ن ، م : فذلك .
( 2 ) . ن ، ب : فإن .
( 3 ) . ن : - و .