دون البعض لكان ترجيحا من غير مرجّح وهو محال . ويكون تخصيص هذه الآلات ببعض المدركات إنّما هو بطريق القرب والبعد والمقابلة واللامقابلة وأمثال ذلك من الأسباب المختلفة . وهذا كلام من لم يفهم معنى النفس ولا عرف كيفية ربطها وتعلّقها بالقوى والأرواح ؛ فإنّ النفس الناطقة إن لم تكن مستعدّة للإدراك الغير المتناهي لم يكن لها احتياج إلى أن تمنعها القوى البدنية ؛ وإن كانت مستعدّة للإدراك الغير المتناهي فلم يمنعها الحواس عمّا هي مستعدة له ؛ والواهب للكمالات والخيرات ما هو على الغيب بضنين . وإذا فهمت هذا التحقيق في الإدراك سقطت عنك الشكوك التي أوردها فخر الدين « 1 » وغيره في ذلك ؛ وهذا القدر يكفي هاهنا .
في أنواع الإدراك ومراتبه
« 2 » أنواع الإدراك أربعة : إحساس وتخيل وتوهم وتعقل : أمّا « الإحساس » ، فهو إدراك الشيء المادي الحاضر عند المدرك على هيئات مخصوصة محسوسة من كمّ وكيف وأين ووضع وغير ذلك . وأمّا « التخيل » ، فهو إدراك لذلك الشيء مع ما ذكرنا من العوارض الغريبة لكن في حالتي حضوره وغيبته ؛ فالحس - كالبصر - يجرد الصورة عن المادة لكن يحتاج إلى علاقة وضعية ، والخيال يجرّدها عن تلك العلاقة ويدركها مع غيبة [ المادة ] « 3 » . وأمّا « التوهم » ، فهو إدراك المعاني الجزئية الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات ؛ فهي غير مادية في ذاتها وإن عرض لها أن تكون مادية ، كالصداقة والعداوة والموافقة والمخالفة وغير ذلك من المعاني التي يمكن