تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥

منقسمة ؛ فكذلك إذا كان المحلّ بسيطا مفردا يمتنع عليه أن يصير موصوفا بالصفات الكثيرة . قلت : ليس اتصاف الموصوف الواحد بالصفات الكثيرة ممتنعا ؛ وإنّما الممتنع أن يتّصف المحالّ الكثيرة بالصفة الواحدة . وليس في هذا البرهان ما يدل على أنّ محل المعقولات جوهر ، لإمكان كونه عرضا حالّا في مجرد لا ينقسم ؛ والبرهان لا يمنع هذا الإمكان ؛ فلا يكون المدرك منّا للمعقولات نفسا ؛ ولمّا سمّينا محلّها نفسا وكانت الجوهرية قد أخذت جزءا من حدّها ، وجب علينا أن نبيّن أنّ المتصرّف فينا المدرك للمعقولات جوهر ، فنقول : لو كان هذا المدرك للمعقولات المتصرّف في أبداننا عرضا ، فلا يجوز أن يكون محلّه جسما ولا عرضا حالّا فيه ؛ لما ذكرنا في هذا البرهان . وإن كان محلّ المعقولات غير جسم وكان هو المتصرّف في أبداننا بذاته وكان مع ذلك جوهرا ، فهو الذي نريده بالنفس . وإن لم يتصرف في البدن لذاته بل إنّما يكون تصرّفه بواسطة أعراض حالّة فيه ، فتكون الأفعال الصادرة عن تلك الأعراض بسبب حلولها في ذلك المحل ، كالقدرة والإرادة وغيرهما ؛ فلا تسمّى هذه الأعراض التي يصدر عنها الأفعال بسبب محلّها نفسا ؛ بل الذي نسمّيه نفسا إنّما هو محل الأعراض ؛ لأنّه الأصل في صدور الأفعال ويلزم بالضرورة أن يكون ذلك المحل جوهرا ؛ فثبت أنّ المدرك للمعقولات المتصرّف في الأبدان المسمّى بالنفس الناطقة جوهر . البرهان الثاني « 1 » : إنّك قد عرفت أنّ التعقل هو تجريد الصورة عن المادة بالكلية حال الإدراك ؛ فتجرّدها حينئذ إمّا أن يكون لذات الصورة أو لغيرها . فإن كان لذاتها وجب أن تكون دائما مجردة ، فكانت صور جميع الأشخاص - كالإنسانية والفرسية وغيرهما - مجردة عن المادة ؛ لأنّ ما من ذات الشيء لا يزول وليس كذا .

هامش
( 1 ) . التلويحات وشرح ابن كمونة بر آن ، ص 532 .
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 455 | شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري