يكون إلّا مع حركة الآلات الجسمانية وهي الأعصاب والعضل والأوتار والرباطات ؛ وكل ما لا يمكن تحريكها إلّا مع الآلات الجسمانية فهي جسمانية ؛ فالقوى المحرّكة جسمانية . ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون المحرّك للبدن ولجميع أجزائه هو جوهر النفس ويكون ذلك التحريك موقوفا على توسط هذه الآلات الجسمانية وحصول استعدادات خاصة فيها ؟ وإن « 1 » سمّيتم هذا الاستعداد قوة فمسلّم « 2 » ولكن لا يكون محرّكا وفاعلا للحركة بل يكون حصوله شرطا يعدّ النفس لتحريك كل واحد من الأعضاء ؛ ويكون الفاعل المطلق للحركة ولغيره هو جوهر النفس ، فإنّي أعلم بالضرورة أنّي أنا الذي تحرّكت وأبصرت وسمعت وذقت ولمست وتخيّلت وتفكرت واشتهيت وغضبت لا غير ؛ ولو كان لي مشارك في إدراك هذه الأشياء من هذه القوى ، لكان للنفس شعور بذلك الإدراك المغاير لإدراكها ؛ ونحن لا نجد عند إبصارنا لزيد في أنفسنا إلّا أنّا أدركناه عند مقابلته للبصر « 3 » ؛ ولا نجد عند البصر أو غيره إدراك آخر يؤدّيه إلى النفس على ما تقولون : إنّ القوى تدرك المحسوسات ويؤدّي بعضها إلى بعض حتى ينتهي التأدية إلى النفس ؛ وكذا حكم جميع القوى ، فالنفس هي المدركة للمحسوسات الجزئية بواسطة هذه الآلات والحواس الجزئية وتدرك الكليات بذاتها ؛ وهذا واضح جليّ عند التأمل .
[ في اليقظة والنوم ]
« 4 » ومما يناسب الكلام في القوى الحسية ، الكلام في اليقظة والنوم . فنقول : إنّ « اليقظة » عبارة عن الحالة التي تكون النفس فيها مستعملة للحواس الظاهرة والقوى المحرّكة بالإرادة . ولا ينتقض هذا التعريف بالإنسان