بتناول الغذاء وينقص عند نقصانه وليس كذلك الهواء ؛ بل الهواء يصحب الروح في العروق والمنافذ لتعديله ونقص « 1 » فضلته الدخانية فقط ، لا أنّه نفس الروح . والعضو الرئيس على الإطلاق إنّما هو القلب ، ويليه في الرئاسة الدماغ ثم الكبد ؛ فهذه الثلاثة هم رؤساء البدن . وزعم جالينوس « 2 » أنّ المبدأ للروح إنّما هو الدماغ ، ولو كان كذلك كان الدماغ كثير الحرارة ؛ لأنّ الروح الحار الرطب الذي يكون فيه يسخّنه ويلطّفه فلم يكن مزاجه باردا رطبا على ما هو موجود في الواقع ، وكان يشتعل نارا عند انضمام التسخين الحاصل من أفعال القوى وحركات الأفكار ؛ بل الصانع تعالى - لكمال عنايته وتمام حكمته - خلق مزاجه باردا رطبا ليعتدل الروح الحيواني الصاعد إليه من القلب بتردّده في تجاويفه ، ولئلا يشتعل عند الأفكار فيحترق .
[ في القوى المحرّكة وأحوالها ]
« 3 » وأمّا المحرّكة الحيوانية فتنقسم إلى قسمين : إلى محرّكة على أنّها باعثة ، وإلى محركة على أنّها فاعلة : أمّا المحرّكة على أنّها الباعثة ، فهي القوة الشوقية ، وذلك أنّ الحيوان إذا لم يشتق إلى شيء يدركه - إمّا بالعقل أو بالتخيل أو بالحس - لم ينبعث إلى طلبه بالحركة الإرادية . وليس الشوق نفس الإدراك فإنّا قد ندرك أشياء كثيرة ولا نجد في أنفسنا شوقا إلى طلبها ، كتخيّل الطعام عند الشبع ، واللذات المستكرهة عند حسن الأخلاق . وليس الشوق بشيء من القوى المدركة ، فإنّه ليس لها إلّا الحكم والإدراك . وليس كل من أدرك أو أحسّ يجب أن يشتاق إلى ذلك الشيء ؛ فإنّ