ولو كان في الخيال صور منطبعة لكانت حاضرة وأدركتها النفس ، ونحن لا نجد في أنفسنا عند غيبة زيد وذهولنا عنه شيئا مدركا له ، فإذا أحسسنا بشيء يناسبه أو تفكّرنا فيه بسبب من الأسباب ينتقل فكرنا إلى زيد ، فتستفيد النفس ذلك من عالم الأفلاك . وبما ذكرنا من امتناع انطباع « 1 » العظيم في الصغير ، يمتنع أن ينطبع في الخيال شيء ؛ فإنّا قد نتخيل الأفلاك العظيمة وما فيها من الكواكب الكثيرة والجبال الشامخة والبحار الهائلة وغير ذلك من المسافات الواسعة « 2 » ، فكيف ينطبع جميع ذلك في الخيال الذي يكون بقدر إصبع ؟ ما هذا إلّا عجيب ! وإنّى لأتعجّب من المعلّم الأول وأصحابه مع ما آتاهم اللّه من الذكاء والفطنة والفضيلة التامة واستخراج الأمور اللطيفة والمسائل العويصة المشكلة ، كيف غفلوا عن هذا وأمثاله ! وما لذلك سبب إلّا ترك السلوك والتجرد والرياضة واشتغالهم بملاذ الدنيا ؛ فالقوم كانوا من رؤساء العالم وأشراف الناس وأفضل الخلق . وبهذا يندفع استدلالهم على التغاير بين الحس المشترك والخيال في الوجه الأول والثالث « 3 » . وقولهم في الوجه الثاني : إنّ القابل غير الحافظ ، فنقول لهم : الذي حفظ شيئا إن كان قابلا ، فقد خالفتم ما قلتموه : إنّ القوة الواحدة لا يصدر عنها أثران ؛ وحينئذ لا يصح قولكم إنّ الحفظ يحصل بما لا يحصل به القبول . وإن لم يكن الحافظ قابلا ، فهو محال ، لأنّ الحافظ إذا لم يقبل تلك الصورة كيف يمكن أن يحفظها ؛ فإنّ الحفظ فرع القبول ؛ فمهما لم يقبل الشيء فإنّه لا يتصور أن يحفظه . ثم الذي يدلّ على أنّه لا ينطبع في هذه الخزانة شيء ، أنّه لو جاز أن ينطبع فيها الصور « 4 » الكثيرة المختلفة مع صغرها ، يلزم أن تقع النقوش « 5 » التي لها
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 400
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٤٠٠
هامش
( 1 ) . ب : - انطباع .
( 2 ) . ن ، ب : الشاسعة .
( 3 ) . ب : - والثالث .
( 4 ) . ب : الصورة .
( 5 ) . م : النفوس .