الهواء أولى « 1 » ؛ وما ذكرناه أنّه لا يجوز أن يرتسم في الجليدية صورة أو شبح . وإبطال مذهب الانطباع بالكلية يكفى في جواب السؤال الثاني ؛ فظهر أنّه لا يرتسم في الحس المشترك شيء ؛ لست أقول : لا يظهر فيه شيء ، فإنّه من جملة مرايا النفس الذي يظهر فيه الأمور الغريبة العجيبة .
القوة الثانية : الخيال
« 2 » ويسمى ب « المصوّرة » وهي مرتّبة في آخر التجويف الأول ؛ يجتمع عندها مثل جميع المحسوسات بعد غيبتها عن الحواس وعن الحس المشترك أيضا فتدركها ، وهي خزانة الحس المشترك تؤدي إليه على سبيل الاستخزان ، وقد تخزن ما ليس مأخوذا عن الحس المشترك بل عن المفكّرة ؛ كما إذا تصرفت في الصور التي فيها بالتحليل والتركيب ، فركّبت « 3 » صورة منها أو فصّلتها استحفظتها في هذه الخزانة أيضا . وإنّما حكمنا على الخيال أنّه خزانة للحس المشترك ، لأنّا إذا شاهدنا زيدا مثلا ، ثم ذهلنا عنه زمانا ، فإنّ صورته تبقى في ذلك الزمان في الخيال ، لأنّا إذا شاهدناه بعد ذلك مرة أخرى ، فإنّا نحكم عليه بأنّ هذا المشاهد هو الذي شاهدناه قبل ذلك ؛ فلو لم تكن صورته محفوظة عندنا ما أمكننا أن نحكم أنّ هذا المشاهد هو الذي شاهدناه قبل ذلك . واستدلوا على مغايرة هذه القوة الحافظة للحس المشترك بوجوه : الأول : إنّ صور جميع المحسوسات إذا تأدّت من حواسها إلى الحس المشترك وانطبعت فيه ، كانت حينئذ مشاهدة ؛ وإذا كانت في خزانة الخيال لم تكن مشاهدة بل كانت متخيلة ؛ فالحس المشترك غير الخيال . الوجه الثاني « 4 » : الدالّ على مغايرتهما أنّ الحس المشترك قابل ، له قوة أخذ