صورة جبل ثم تخيّلنا بعده صورة جبل آخر أصغر من الأول مع بقاء صورة الأول ، فإن حلّ الثاني حيث حلّ الأول ، بحيث لا يفضل محل أحدهما على محل الآخر ، فيلزم أن يكون في محل واحد مقداران ، أحدهما كبير والآخر صغير ، فوقع فيما هرب عنه « 1 » ؛ وإن حلّ كل واحد منهما في محل غير محل الآخر ، إمّا بأن لا يفضل عن الأول شيء ، لكنه عند حلول الثاني امتدت النفس حتى يحصل فيها صورة الثاني ، فالنفس تتخلخل وتتكاثف ، فلها هيولى مشتركة فهي من جملة العنصريات ؛ وإن فضل بمقدار ما يحل الثاني بحيث يكون كل جزء منها يختص بواحد ، فالنفس لها مقدار فتكون جسما أو حالّة في جسم ؛ وعلى كل تقدير فقد وقع هذا الفيلسوف المسكين في أفحش ممّا هرب عنه من مذهب الانطباع . وليس عندي ريب في أنّ الرجل إذا لم يدخل على الحكمة من أبوابها ولم يهذّب نفسه بالأخلاق الشريفة ولم يكمل ذاته بأنواع الحكمة النظرية ولم يتلطف بالرياضات والمجاهدات لإدراك جوهر نفسه وما فوقها من الروحانيين بمشاهدات ومكاشفات ، ثم رام إدراك الحكمة والأمور المهمّة الصعبة ، وأراد أن يتصرف فيها دون تأييد قدسي ، فقد حاول إدراك ما ليس في وسعه وطاقته ؛ فلا جرم يكثر غلطه ويعظم زلله ويخبط في ميدان الحكمة خبط عشواء ، كما يفعله صاحب المعتبر وأمثاله . وأمّا المذهب الحق في الإبصار ، فلا يكون بخروج شعاع ولا بدخوله ولا بانطباع شبح ولا باستدلال ؛ وإنّما هو مقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة مرآتية ؛ فعند وجود هذا الشرط يقع للنفس علم إشراقي حضوري على المبصر ؛ فتدركه النفس مشاهدة . وهذا لا يفهم حقّ الفهم إلّا بعد الرياضة وإدراك النفس الناطقة .
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 391
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٩١
اعلم أنّ الصور ليست في المرآة ؛ وأعني بالمرآة كل صقيل يظهر عند
هامش
( 1 ) . ن : منه .