تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥

واحد مع اختلافهما في القوة والضعف ، وجب على ما يقوله أن نحكم بأنّ الأقوى أقرب ، والأضعف أبعد ، والأمر ليس كذلك . وذكر أبو البركات البغدادي « 1 » أنّ إدراك الجهة والقرب والبعد لا يجوز أن يكون حاصلا بمجرد إدراك الصوت القائم بالهواء القارع ، لما ذكرنا ؛ بل إنّما يحصل بتتبع الأثر الوارد ؛ فإن كان وروده في زمان أطول فهو أبعد ؛ وإن كان أقصر فهو أقرب ؛ فإذا قرع صماخنا هواء وتتبعنا أثره بالتأمل الأثر ونسبة الأثر الواصل إلينا إلى ما قبله ، فما قبله ، حتى ينتهي إلى انقطاع الأثر وفنائه ، فبهذا الطريق ندرك الصوت الوارد وزمان وصوله وجهته وقربه وبعده وما بقي من أمواجه القوية والضعيفة ؛ فإن لم يبق في المسافة من الآثار ما يعرف به المبدأ لم يمكنّا أن نعرف من أحوال الجهة والقرب والبعد شيئا ؛ وإن بقي أثر مّا ، فإنّا بقدر ما بقي ندرك شيئا من ذلك الأثر ؛ بحيث لو حصل شعورنا بآخر صوت الرعد « 2 » لم نفرّق « 3 » بينه وبين دويّ الرحى القريبة منّا ؛ وكذلك إذا سمعنا كلام إنسان على بعد عشرة أذرع وكلام آخر على بعد خمسة أذرع ، ولم نرهما فإنّا نعرف بالإدراك السمعي وبتتبع الأثر أنّ أحدهما أبعد من الآخر . وذكر فخر الدين « 4 » أنّ السمع إنّما يدرك نفس الصوت في جهة مخصوصة ؛ والجهة لا تكون مدركة بالسمع بل المدرك هو الصوت فقط ؛ فإنّه لو كان هذا الصوت حاصلا في جهة أخرى ، لكان صوتا أيضا غير مختلف باختلاف الجهات ؛ وإذا كان المدرك بالسمع نفس الصوت الحاصل في جهة معيّنة ، فلا يكون هذا موجبا لإدراك الجهة ؛ وهذا ممّا يجب أن يتفكّر فيه . وأقول : ما قال أحد إنّ الجهة التي هي أطراف الامتدادات مدركة بالسمع ، وإنّما قالوا إنّ الصوت تحمله الأمواج الهوائية إلى الصماخ وهو المسموع ؛ ولكن لمّا كان وصوله موقوفا على حركة وزمان ، وتلك الحركة واقعة في

هامش
( 1 ) . المعتبر ، ج 2 ، صص 335 - 336 .
( 2 ) . ب : - وإن بقي أثر ما فإنّا بقدر ما بقي . . . بحيث لو حصل شعورنا بآخر صوت الرعد .
( 3 ) . ب : وإن لم نفرّق .
( 4 ) . المباحث المشرقية ، ج 2 ، ص 297 .