تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢

وأمّا ماهية الصوت ، فهي الكيفية المدركة بحس السمع المستغنية عن التعريف ؛ فإنّها أقوى الإدراكات وأظهرها ، فيمتنع تعريفها بما [ لا يكون ] « 1 » أظهر منها « 2 » . وأمّا سببه المقتضي لوجوده ، فقالوا : إنّه تموّج الهواء . وليس المراد ب « التموّج » حركة انتقالية من هواء واحد بعينه ؛ بل المراد بالتموج الحالة الشبيهة بتموّج الماء الذي يحدث بصدم بعد صدم وسكون بعد سكون « 3 » . وأمّا سبب التموّج ، فهو إمّا مسّ عنيف وهو المسمّى عندهم ب « القرع » وإمّا تفريق عنيف وهو المسمّى ب « القلع » . وإنّما اعتبروا قيد « العنف » ، لأنّا إذا قرعنا الصوف أو القطن بلين فإنّه لا يظهر لهما صوت ؛ وكذلك في القلع ، فإنّا لو قلعنا خشبة مغروزة في صوف أو قطن لم يكن لها صوت ؛ بخلاف ما إذا كانت في مكان صلب . وأمّا كون كل واحد من القرع والقلع موجبا للتموّج ، لأنّ القارع يلجىء الهواء إلى أن ينقلب إلى خلاف جهة القرع بعنف شديد . وكذلك في القلع يتولّج الهواء بين الجسمين المنفصلين بعنف شديد ؛ فإذا حدث القرع أو القلع على كيفية مخصوصة يلزم حدوث الصوت أيضا على كيفية مخصوصة ؛ ثم يتأدّى التموّج إلى باطن سطح الصماخ ويؤدّى معه الصوت المخصوص ؛ فحينئذ يحصل سماع الصوت وتدرك الحروف بسبب تقطيعات الحروف الحاصلة للصوت . وهذا السماع لا يحصل إلّا عند وصول التموّج إلى الصماخ . وبرهانه أنّ الأصوات الواصلة إلينا من المواضع العالية يختلف وصولها بحسب اختلاف هبوب الرياح ؛ وكذلك من وضع فمه على أنبوبة طويلة ووضع الطرف الآخر على أذن إنسان وتكلّم بكلام فإنّه لا يسمعه إلّا ذلك الإنسان الواصل إلى أذنه التموّج دون غيره ؛ وذلك يدلّ على أنّ الوصول شرط في السماع . والوصول لا يكون دفعة بل يحتاج إلى زمان ؛ فإنّا إذا رأينا إنسانا من

هامش
( 1 ) . نسخه‌ها : يكون ؛ تصحيح قياسي : لا يكون .
( 2 ) . م : - بما يكون أظهر منها .
( 3 ) . ابن كمونة ، ص 475 .