الفسيحة في الزمان اليسير - على ما ذكرنا من روائح المسك والكافور - . وزعم آخرون « 1 » أنّ الرائحة تتأدّى إلى الشم لا بتحلل شيء ولا باستحالة الهواء المتوسط ، بل الجسم ذو الرائحة يفعل في الجسم الذي لا رائحة له ، من غير « 2 » أن يفعل في الجسم المتوسط بينهما ؛ بل يكون هذا المتوسط ممكّنا من فعل أحدهما في الآخر . واحتج هؤلاء على بطلان المذهبين السابقين بأنّه لا يمكن أن يتحلل من ذي الرائحة أجزاء تسافر مائة فرسخ أو أكثر ؛ ولا يمكن أن يبلغ استحالة الهواء من الرائحة مسيرة أيام متعدّدة ، على ما هو واقع في الوجود . فإنّ المعلم الأول حكى أنّ في بعض السنين وقعت ملحمة ببلاد اليونانيين التي لا يوجد فيها رخمة « 3 » ؛ فسافرت الرّخم إليها برائحة الجيف من بلادها ؛ وبين البلدين عدّة أيام ، ولا دليل لها إلّا الرائحة التي يمتنع وصولها إلى هناك بتحلل الأبخرة والاستحالات من الهواء . قالوا : ولأنّ النار أشدّ إحالة للهواء وما قاربها من الأجسام ذي الرائحة المحيل للهواء ؛ مع أنّ القوية إنّما تسخّن ما حولها ولا تبلغ المسافة البعيدة . والذي اختاره رؤساء المشائين أنّ المشموم يجوز أن يكون هو نفس البخار المتحلّل ؛ ويجوز أن يكون هو نفس الهواء المستحيل عن ذي الرائحة الذي صار له رائحة ؛ فإذا بلغا إلى الشم أحسّت به القوة ؛ ولو أمكن أن يلاقي المحسوس الحسّ بذاته لأدركه من غير افتقار إلى واسطة ؛ ثم بيّنوا أنّ الاستحالة لها مدخل في الإدراك ؛ فإنّا إذا بخّرنا الكافور حتى أفنيناه بالكلية فإنّ رائحته تنتشر وتصل إلى حد معين . فإذا لم نبخره ونقلناه من موضع إلى موضع ، فإنّ رائحته تبلغ بذلك النقل أضعاف ما وصل إليه التبخير في الأول ؛ ولولا استحالة الهواء لم يكن الأمر كذلك .
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 359
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٥٩
هامش
( 1 ) . همان .
( 2 ) . ب : - غير .
( 3 ) . ب : زحمة ؛ رخمة : نوعي كركس ولاشخور .