القوة الثالثة : الشم
« 1 » وهي قوة مودعة في زائدتي مقدم الدماغ شبيهتين بزائدتي الثدي ، يدرك بها ما يلاقيها من الروائح بواسطة جسم « 2 » لا رائحة له ، كالهواء والماء الحاملة للروائح . ودليل أنّ محل القوة الزائدتان ، ذهاب الشم عند فساد مزاجهما . واختلف الحكماء في كيفية وصول الرائحة إلى قوة الشمّ : فزعم بعضهم أنّ الرائحة إنّما تدرك بأن يتحلّل أجزاء الجسم ذي الرائحة فيتبخّر ويخالط الهواء المتوسط ويصل إلى قوة الشم . واحتج « 3 » بأنّه لو لم يتحلّل من أجزاء ذي الرائحة شيء ، ما كانت الحرارة وما يهيّجها - من الدّلك والتبخير - تذكي الروائح ؛ ولا كان البرد يخفيها ؛ فالرائحة تصل إلى الشم بالبخار المتبخّر المخالط للهواء ؛ ولهذا إذا أكثرنا تشمّم التفاحة ذبلت لما يتحلّل منها . والجواب « 4 » أنّ الروائح التي تملأ المحافل والمجالس الواسعة لو كانت بتحلّل شيء ، لوجب أن ينقص وزن ذي الرائحة ويقلّ حجمه وليس كذلك ؛ ثم المسك اليسير كيف ينتشر منه في أقلّ الأزمنة من الأبخرة المتحلّلة ما يملأ البيوت العظيمة والأمكنة الفسيحة ؛ وما كان الكافور الغير المبخّر رائحته تساوي رائحة المبخّر بل أعظم . وزعم قوم « 5 » آخرون أنّ الرائحة تتأدّى إلى الشم باستحالة الهواء المتوسط وانفعاله من الرائحة من غير أن يخالطه شيء من أجزاء ذي الرائحة المتحلّلة عنه ؛ فإنّه لولا انفعال الهواء ما أمكن انتشار الأبخرة في المواضع