والجواب أنّ الحكماء ما حصروا السبب في الأهوية والأبخرة ليرد عليهم اعتراض هذا الرجل ؛ بل ذكروا السبب الدائم الأكثري ، ولم يمنعوا أن يكون هناك أسباب أخرى للعيون والقنوات وغيرهما ؛ ولو حصروا السبب في الأهوية والأبخرة لورد السؤال لا محالة ؛ والآثار العلوية والسفلية ممّا في باطن الأرض وما على ظهرها ذكر لها أسباب أخرى غير ما ذكره ؛ ويجوز أن يكون الواحد بالنوع منها له أسباب كثيرة ؛ فالحدوث وإن كان عن البعض أكثريا فلا يجوز أن يترك السبب الأقلي بالكلية ؛ فإنّ أحيانا يتعين أن يكون هو السبب فقط أو يكون شريكا للسبب الأكثري . والحكماء في الغالب يذكرون السبب الأكثري في هذه الأمور وأشباهها ؛ وقد يذكرون ما يحتمل أن يكون سببا ممّا يعرفونه ، من غير أن يحكموا بأنّها هي الأسباب التامة دون غيرها ؛ فيجوز أن يكون الأثر الواقع من الرياح والزلازل وغيرهما علته غير ما ذكروه . والذي يدل على أنّ مرادهم ليس « 1 » حصر الأسباب فيما ذكروه ، أنّهم ما ذكروا العلل الفاعلية ؛ وإنّما ذكروا عدة أسباب من العلل المادية :
[ في منابع المياه ]
« 2 » فإن كانت الأبخرة كثيرة قوية على تفجير الأرض إلّا أنّها لا تكون بحيث يستتبع كل جزء منها جزءا آخر ، حدثت العيون الراكدة . وإن كانت كثيرة المقدار بحيث يستتبع كل جزء منها الآخر ، إلّا أنّها لا تقوى على تفجير الأرض ، حدثت القنى ؛ فإنّها تتكوّن من أبخرة لا تقوى على شقّ الأرض ؛ فإذا أعينت بإزالة التراب عن وجهها وطرق لها السبيل ، فصادفت عند ذلك منفذا فاندفعت إليه بأدنى حركة ؛ وإن حفر في موضع واحد فسال إليه