القول في ماهية الرياح وتحقيق أسبابها
« 1 » وقد بقي من الأشياء المتولّدة من الأدخنة اليابسة « الرياح » ؛ وهي متولدة عن الأدخنة ، لأنّها إذا انتهت في صعودها إلى الطبقة الباردة فتثقل بالبرد الذي أصابها « 2 » هناك ؛ فتهبط راجعة متحركة إلى الجهات المختلفة بحسب اختلاف الأسباب المحرّكة والدافعة لها إلى تلك الجهات ؛ ويحصل من هبوطها بحسب قوة حركتها وضعفها تموّج في الهواء وهو « الريح » ؛ فهذا هو السبب الأكثري في تولّد الرياح . وأمّا السبب الأقلي ، فلأنّ الأدخنة إذا لم تبرد عند الوصول إلى الهواء البارد وبقيت على حرارتها فإنّها تصعد - لخفّتها - إلى كرة الهواء المتحركة بحركة الفلك ؛ فلا تقوى على الصعود ، لمنع الحركة الدورية القوية النارية الأدخنة عن الصعود ، فتعود نازلة إلى الجهات وتحدث الرياح لهذا السبب . وقد تحدث الريح لحركة الهواء وحده ، لتخلخل بعضه بالسخونة ؛ فإنّ الشمس تخلخل ما مرّت به « 3 » فينبسط ويسيل له الهواء ويحصل الريح . ومادة الرياح هي الأدخنة اليابسة ، ولو كان مادته الهواء نفسه « 4 » لم يبق الريح زمانا طويلا ؛ بل كانت تبقى بمقدار ما يحركه شيء أو يخلخله . ويعرف من تمانع الريح والمطر كل منهما الآخر ، أنّ مادة أحدهما غير مادة الآخر ؛ فإنّ السّنة الكثيرة الأمطار لتوفّر البخار الرطب تقلّ الرياح ، وبالعكس في السنة الكثيرة الرياح يقلّ المطر ويحصل الجدب . وقد يعين المطر على حدوث الريح ، فإنّه إذا بلّ الأرض أعدّها لانفصال دخان لإعانة « 5 » رطوبة المطر على تحليل اليابس وتصعيده ؛ والريح تعين على