بل التراب اجتمع وخرج الهواء من المسام وتمكّن الوتد في الحائط . وأمّا قولهم : إنّ الماشي يدفع الهواء فيحصل الخلأ في مكانه ، ليس بصواب ؛ فإنّ ذلك القدر من الهواء ليس له القرار بمكان ، وإنّما الماشي عند حركته يخرق « 1 » الهواء فيحصل هناك حدود وتصير مكانا له ؛ وقبل ذلك لا حدود ولامكان ولا متمكّن مفرزة متميّزة . وقولهم : لو لم يكن الخلأ موجودا للزم « 2 » من حركة جسم واحد حركة جميع الأجسام ، غير لازم ؛ فإنّه لا يلزم من حركة ذلك الجسم إلّا حركة ما يجاوره من الأجسام القريبة فالقريبة ؛ حتى تنتهي الحركة في الضعف في الأبعد إلى حد لا يبقى له أثر ؛ كما نشاهد من دوائر حركات الماء وضعفها كلّما اتسعت عند رمي حصاة . وقولهم : إنّ السراقات التي للماء ، لولا وجود الخلأ الحابس للماء أو الجاذب له لما انحبس « 3 » فيها الماء « 4 » ، ليس بصحيح إذ لو كان الحابس للماء هو الخلأ لوجب أن يكون جميع الأواني عند الكبّ لا ينزل منها شيء ؛ وإنّما لم ينزل الماء لامتناع دخول الهواء لأجل امتناع الخلأ . ومن الإقناعيات الدالّة على امتناع الخلأ وقوف السفن على وجه الماء والطاسات وانجذاب البشرة إلى المحجمة . والسبب فيه أنّ الأجسام الأرضية بالطبع طالبة للمركز ؛ فإذا صادفت الماء في هبوطها رسبت فيه إلّا أن يعوقها عائق ؛ والمانع « 5 » للأجسام المجوفة من الرسوب ما تشبث « 6 » في تجويفها من
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 149
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص١٤٩
هامش
( 1 ) . ن : يحزق .
( 2 ) . م : لزم .
( 3 ) . م : احتبس .
( 4 ) . الشفاء ، الطبيعيات ، السماع الطبيعي ، ص 134 : « وقد بلغ من غلوّ القائلين بالخلأ في أمره أن جعلوا له قوة جاذبة أو محرّكة ولو بوجه آخر حتى قالوا : إنّ سبب احتباس الماء في الأواني التي تسمّى سراقات الماء ، وانجذابه في الآلات التي تسمّى زراقات الماء ، إنّما هو جذب الخلأ » .
( 5 ) . ن ، ب : فالمانع .
( 6 ) . ن ، ب : إلّا ما تشبث ؛ م : لأنا بسبب ؛ حذف « إلّا » تصحيح قياسي ؛ تشبث : به معناى « تتعلق » .