النفس لا جهة لها ولامكان ؛ ولا يصح نسبة الجسم إليها ب « في » . فبعد تسليم هذه الأمارات الأربعة - كما هو عند الجمهور - لا معنى لقول من يقول : إنّ المكان هو الهيولى أو الصورة أو ما يستقر عليه الجسم ؛ لأنّ هذه الأمارات الأربعة لمّا كانت مسلّمة بالاتفاق ، فيجب أن يوجد جميعها فيما يسمّى « مكانا » ؛ ولا يصح اجتماعها في واحد من هذه الثلاثة المسماة كل واحد منها عند طائفة « مكانا » . فإن قلت « 1 » : إنّ الأمارة الأولى تكفي في منع جواز كون المكان هيولى أو صورة ؛ والثالثة تكفي في منع كون المكان ما يستقر عليه الجسم ؛ فالأمارة الثانية والرابعة مستدركة لا يفتقر إليهما . قلت : أمّا الأمارة الثانية ، فيفتقر إليها ليفرّق بها بين المكان والمحل ؛ فإنّ الجسمين يمتنع اجتماعهما في مكان واحد ؛ وأمّا الحالّان فإنّه يجوز حلولهما في محل واحد ؛ وجواز الانتقال وإن كان يكفي فرقا بين المكان والهيولى والصورة إلّا أنّه يفتقر في عدم جواز انتقال الصور « 2 » والأعراض من محل إلى محل - وإن عدم جواز ذلك الانتقال لذاتها أو لنفس حلولها في تلك المحال - إلى برهان ؛ بخلاف عدم جواز اجتماع الجسمين في مكان واحد ؛ فإنّه بيّن بذاته لا يحتاج إلى برهان . وأمّا الأمارة الرابعة ، فإنّ بعض الأوائل لمّا زعم أنّ النفس مكان للبدن وكان المسلّم من الأمارة الرابعة في المكان اختلافه بالجهات ، ولا جهة ولامكان للنفس افتقر إلى ذكرها .
[ مذاهب القائلين بأنّ المكان هو الخلأ ]
وذهب بعض الأوائل « 3 » إلى أنّ المكان هو « الخلأ » لتوهّمه أنّ الأمارات الأربعة موجودة فيه ؛ ثم عرّفه بأنّه امتداد يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة