وإمّا أن يكون الجوهر الذي كان فيه الهيئات التي بها صارت النطفة نطفة والتراب ترابا ، بطل عنه صورة النطفة وهيئتها ، وكذلك التراب ، وحصلت فيه صورة وهيئة إنسانية ؛ وكذلك في الشجر ؛ وهذا هو الحق .
والهيولى بهذا المعنى لم يختلف فيها أحد من الناس ؛ إلّا أنّهم اختلفوا من جهة أخرى وهو أنّ الحامل لهذه الصورة والأعراض ، ما هو ؟
فذهب قوم من الحكماء الأوائل وأكثر المتكلمين إلى أنّ الحامل لها هي الجواهر الغير المتجزّئة وهو الهيولى عندهم .
وذهب آخرون من محقّقيهم إلى أنّ الهيولى الأولى الحاملة لجميع الصور والأعراض هي الجسم ؛ وهو عندهم متصل واحد وشيء لا تركيب فيه أصلا ؛ لكنّه إذا جزّىء ، يتجزى وهما إلى غير النهاية ؛ وهو من حيث جوهريته الجسمية يسمّونه « جسما » ؛ ومن حيث إنّه يقبل الصور والهيئات يسمّونه « هيولى » ؛ وهو أمر واحد في حقيقة ذاته .
وذهب المعلم الأول وأتباعه إلى أنّ الهيولى تكون أبسط من الجسم ؛ والاتصال القابل للأبعاد الثلاثة هو الصورة ؛ ومجموعهما هو الجسم ؛ وهو مركب منهما . فهذه مذاهب ثلاثة .
ولمّا بطل الجوهر الفرد بطل المذهب الأول ؛ وبقي المذهبان الأخيران ؛ ولكل واحد منهما حجج وبراهين في إثبات مذهبه ونفي مذهب غيره ؛ وهاتان الطائفتان أفضل الحكماء :
[ احتجاج المشّائين في القول بالهيولى البسيطة ]
وأمّا مذهب المعلم الأول وأشياعه وهم المشّاؤون القائلون بالهيولى البسيطة فقد احتجوا بوجهين : الحجة الأولى « 1 » ، وهي تبتني على أمرين : أحدهما ، نفي الجزء الذي لا يتجزّى .
هامش
( 1 ) . همان ، ص 17 ؛ با شرح وتفصيل شهرزورى ؛ ابن كمونة ، ص 309 .