وقيل : إنّ الهيولى هو الجوهر القابل للصور الحسية . وفيه نظر ؛ فإنّ صور الأفلاك غير محسوسة ؛ وإذا رأيت في ألفاظ القوم أنّ الهيولى معدومة أو أمر عدمي أو أنّها أمر عام ، فينبغي أن يؤوّل « 1 » ذلك بأنّ وجودها يتعلق بما هو خارج عن ذاتها « 2 » من الصور والفاعل ؛ وأنّها عامة النسبة إلى جميع الصور الواردة إليها بحسب اعتبار عموم صلاحيتها لذلك ؛ ولا يمكن أن يصح على غير هذا الوجه . والصواب أن يقال في تعريف الهيولى : إنّها الجوهر القابل للصور الجسمية . وكل من له أدنى نظر وأقلّ تمييز اعترف بوجود أمر يقبل الأعراض ويختلف عليه الصور و « 3 » هو الهيولى ؛ ولا يفتقر في إثباته إلى برهان ؛ ولكن ذلك بعد تصور مفهوم هذا اللفظ ، وإلّا فلا يبعد أن ينكره بعض من لا يتصور مفهوم هذا اللفظ . وكل من له طبع سليم وحدس مستقيم يعلم أنّ النطفة تستحيل إلى بدن إنسان ، ثم البدن يصير ترابا ، والتراب يصير حشيشا وشجرا ، والشجر يصير رمادا ، وغير ذلك من التغيّرات والاستحالات ؛ فلا يخلو إذا قيل إنّ الإنسان من النطفة ، والشجر من التراب : إمّا أن تكون النطفة والتراب باقيين وهو إنسان وشجر في تلك الحال التي هو بها نطفة وتراب ، فيكون الشيء الواحد في حالة واحدة نطفة وإنسانا وترابا وشجرا وهو محال ؛ وإمّا أن تكون النطفة والتراب بطلا بالكلية ، ثم حصل إنسان وشجر ؛ فيلزم أن يكون الإنسان والشجر ما صارا وحصلا من النطفة والتراب ، بل بطلت النطفة والتراب بالكلية وحصل شيء آخر وهو محال أيضا ؛ فإنّ الكافّة متفقة على كون الزرع من « 4 » البذر ، والابن من النطفة ، والطير من البيضة ؛ والفطرة البشرية تحكم بذلك من غير توقّف وافتقار إلى البرهان .
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 55
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥٥
هامش
( 1 ) . ن : توفق ؛ ب : فوق ؛ م : يأوّل .
( 2 ) . م : - ذاتها .
( 3 ) . ب : - و .
( 4 ) . ب : و .