تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
حماقة ؛ فإنّا قد نحصي عدد الأمور الماضية ، كعدد الأموات مثلا . ولكن أن نقول أنّ سعادة / مضت لا تزال حاضرة ، وأنّها أشدّ من السّعادة الّتي هي في الحال ، فتلك هي الحماقة . ذلك بأنّ السّعادة إنّما تبدو أمرا ململما متماسك الذّات ، في حين أنّ الزّمان الّذي يضاف إلى اللحظة الحاضرة ، فقد زال وفات . وبوجه عامّ ، إنّ ذلك الزّائد من الزّمان إنّما يعني تبديد لوحدة ما حاصلة في اللحظة الحاضرة . وعليه بالصّواب يقال / أن الزمان صورة للأبد . فإن النفس ، فيما أصبح منها مبدّدا في الزّمن ، تحاول أن تبطل الباقي فيها من العالم الأعلى : فإنها أخرجت من مقام الأبد وجعلت ما كان باقيا فيها من العالم الأعلى أمرها الخاصّ بها وحدها ، ففقدته ؛ لقد كان محفوظا حتى الآن بفضل أصلها في العالم الأعلى ، فأمسى الآن مفقودا لأن كل شيء في النفس أصبح خاضعا للتقلّب . ولمّا كانت السّعادة وفقا للحياة / الصّالحة ، فإنّ السّعادة حتما في حياة الأيس ، وهي الحياة الفضلى . ولا تقاس هذه الحياة بالزّمان بل بالسّرمديّة : فهنا لا زيادة ولا نقصان ، ولا قياس بطول ما ، بل الحاضر بالذّات في خلوّه التّام من المدّة والزّمان . لا يجمع بين الأيس والليس ، بين الزّمان والسّرمد ، / حتّى ولا بين الزّمنيّ المستديم والسّرمديّ الباقي ، كما إنّه لا يمدّد ما ليس فيه مدد ؛ بل يجب أن يتّخذ بجملته . وإذا اتّخذته هكذا ، فلست تتّخذ اللحظة اللامقسومة من الزّمان ، بل حياة السّرمد ، وهي ليست حياة مؤلّفة من فترات زمنيّة متعدّدة ، بل الحياة كلّها معا قائمة بكلّ ما ينطوي عليه الزّمان برمّته . / 8 وإذا قال قائل إنّ ذكرى الأمور الماضية ، إذا بقيت حاضرة في الحال تزيد في سعادة من امتدّ به زمان السّعادة ، فما معنى تلك الذّكرى ؟ أنعني بها ذكرى الفطنة الّتي حصلت فيما مضى ؟ فيعود ذلك إلى أنّ صاحب تلك الفطنة أصبح أشدّ فطنة ، ونكون نحن قد خرجنا / عن موضوعنا ؟ أو نعني بها ذكرى اللذّة ، فكأنّ السّعيد في حاجة إلى مزيد من الفرح ، ولا يكتفي بالفرح بالّذي لديه ؟ ثمّ بما ذا تكون ذكرى اللّذة لذيذة ؟ أين اللذّة مثلا في أن يذكر أحدهم أنّه تناول البارحة غذاء لذيذا ؟ وإذا مضى على ذلك ، عشر سنوات ، فالأمر أشدّ إثارة للضحك ؛ وفيما يختصّ بالفطنة ، ما هي اللذّة الّتي أفيدها من تذكّري / أنّني كنت العام الماضي فطنا ؟ 9 وإذا كانت الذّكرى تقع على الحسنات ، فكيف يكون ذلك الكلام كلاما لا معنى له ؟ بل إنّ هذه حال رجل ليس من حسنة لديه في وقته الحاضر ، وإذا لم تتوافر له الحسنات الآن أخذ يسعى وراء ذكرى ما تيسّر له منها في ما مضى .