تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
أوهام عن تلك الأمور ، ويغدو رجلا آخر ، بكامل المعنى ، مستيقنا من أن لن يناله شرّ البتّة ؛ عند ذلك يصبح وهو لا يهاب شيئا . وإذا اضطرب لأمر ما ، فلا يكون كاملا / في الفضيلة بل يكون منها في منتصف الطّريق . وإذا ما باغته خوف ما وعاجله عن إدراكه انصرافه إلى أمور كانت تشغله ، بادره الحكيم وردّه وهدّأ روع الطّفل الّذي فيه ، فكأنّه اضطرب من أذى أصابه ، وذلك إمّا بالتّهديد وإمّا بالإقناع ؛ ولكنّه تهديد برفق / مثلما يتهيّب الصّبيّ لمجرد إشارة ممّن يرشقه ببصره . وليس الحكيم مع ذلك ، عديم الشّعور بالصّداقة وعرفان الجميل ، بل إنّه هكذا مع نفسه وفي الأمور الّتي تتعلّق به ، فيشرك أصحابه في ما يجود به على نفسه ؛ إنّه لصديق حقّا ، ولكن صداقته قائمة على كونه صاحب الرّوح . / 16 فإذا كنّا لا نتسامى بالمجتهد هكذا في مقام الرّوح ، فنحطّ قدره بجعله عرضة للطوارئ ونخاف عليه منها ، فإنّا لا نحفظ له صفة المجتهد اللائقة به ، فيما نرى ، بل نتصوّره رجلا بالمعنى المألوف في عرف النّاس ، يكون مزيجا من خير وشرّ ، ونجعله ذا حياة على جانب من الخير / مع ما فيها من شرّ - وهو أمر يتأتّى لنا بسهولة . فإنّ رجلا كهذا ، إذا وجد ، ليس أهلا أن يقال عنه أنّه سعيد ، إذ أنّه لم تتمّ له تلك العظمة القائمة بجلال الحكمة وصفاء الخير ؛ ولا مقام إذا للسعادة في الحياة على ما هي في عرف النّاس . ولذلك يرى أفلاطون أنّ الصّواب في أن يستمدّ الخير من هنالك ، من العالم الأعلى ، / إليه ينظر من كان من شأنه أن يكون حكيما وسعيدا ، وبه يتشبّه ، وبمقتضاه يحيا . فحسبه بذلك ، وبه يدرك الغاية حتما . أمّا مع ما كان سوى ذلك ، فكأن يغيّر مسكنا بمسكن آخر مثلا ، لا لأنّ سعادته تزيد من وراء تلك المساكن ، بل كأنّه يسعى وراء الأمور الّتي تحيط بالّذي فيه مختلفا عمّا هو في ذاته ، / مثل أن يرى هل يقيم هنا أو هناك بذلك الأصل الّذي يكون فيه والّذي ليس هو بالذّات ، فيتسامح له بما تقتضيه الحاجة وبقدر الإمكان . أمّا هو ، ما دام شيئا آخر ، فإنّه لا يمنعه مانع من أن يتخلّى عن ذلك الأصل ، وهي خطورة قد يقدم عليها عند حلول الأجل ، على أن تبقى له الكلمة الفصل دائما في تقرير مصيره . فإنّ الأعمال الّتي تردّ إليه إذا ، / يتضافر بعضها على تأمين سعادته ، ويتمّ بعضها الآخر لا لأجل إدراك الغاية ولا لأجله هو ، بل لصالح ما يقترن به ، فيهتمّ به ويتحمّله ما دام الأمر ممكنا ، مثلما يهتمّ صاحب القيثارة بقيثارته ما دامت صالحة للاستعمال . وإذا أصبحت غير صالحة ، عمد إلى سواها ، أو تخلّى عن العزف على القيثارة وأهمل استعمالها ، / فانصرف إلى عمل آخر بدون قيثارة ، وأغفلها وهي ملقاة إلى جانبه ، وراح ينشد بدون آلة . ولا يعني هذا أنّها دفعت إليه سدى بادئ الأمر ، فطالما سبق له أن استخدمها .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 81 | أفلوطين