في العمل الّذي هو منصرف إليه . أجل إنّه عمل على غير وعي ، ولكن ليس فيه كلّه ، بل في بعضه فقط . وهذا حكم القوّة الغذائيّة فينا مثلا ؛ / فإنّها تعمل بدون أن ينتهي عملها إلى جميع الإنسان ، ولا تدرك بالإحساس . ولو كنّا نحن تلك القوّة ، لكنّا نحن الّذين نقوم بعملها . والحقّ أنّا لسنا تلك القوّة ؛ بل عملنا قوّة عرفانيّة ؛ فإنّما نعمل عندما تعمل هذه القوّة . /
10 ثمّ إنّ هذا العمل يحدث في غفلة من صاحبه ، ولربّما عاد ذلك إلى أنّه لا علاقة له بمحسوس قطّ . فالظّاهر أنّه يؤثّر في المحسوسات بل ينبعث منها على سبيل الادراك الحسّيّ الّذي يكون حينئذ بمنزلة الوسيط . ولما ذا لا يعمل الروح ذاته ، ولا النفس الّتي ترتبط به وهي سابقة لكلّ إحساس ولكل إدراك بوجه الاجمال ؟ ذلك لأنّه لا بدّ من عمل سابق للادراك ما دام / « العرفان والأيس أمرا واحدا » . والظّاهر أنّ الادراك يتمّ في أن يتعطّف الفكر على ذاته وفي أن يصبح الأصل الفاعل الكامن في حياة النّفس ، كأنّه يردّ معكوسا ، مثلما يحدث في المرآة إذا كان وجهها مصقولا لا معا وإذا كانت هي ساكنة . فكما أنّه إذا حضرت / المرآة وهي على تلك الشّروط حصلت الصّورة ، وإذا لم تحضر أو لم تتوافر فيها الشّروط السّابقة كان ما من شأنه أن تنبعث عنه صورة حاضرا فعلا على كل حال ، فكذلك الأمر فيما يختصّ بالنّفس : فإذا سكن عندنا ذلك الأصل الّذي تظهر فيه انعكاسات العقل والروح ، شوهدت تلك الانعكاسات وأدركت بما يشبه إدراك الحسّ / وقد سبقته المعرفة ؛ إنّ ذلك العمل إنّما هو عمل الرّوح والعقل . لكن إذا تصدّع ذلك الأصل بسبب اضطراب دبّ في بنية الجسد المتناسقة ، واستمرّ الروح والعقل في عملهما وإن كان عملا لا انعكاس له ، واستقامت الفكرة ، وكأنّ حينذاك العرفان أيضا يمسي بدون صورة خياليّة . فإنّ أمرا مثل هذا قد يدرك / بالعرفان ، وهو أن يكون العرفان مصحوبا بخيال وهو ليس ، في ذاته ، بخيال . بل ربّ امرئ انتهى به الأمر غير مرّة إلى أن يهتدي وهو في حال اليقظة ، إلى مآت وأعمال جليلة من قبيل النّظر أو العمل ، لا يرافقها عندنا حضور الادراك ، إذا كنّا نقوم بها أثناء انصرافنا إلى النّظر أو العمل . فليس من الضّروريّ مثلا للذي يقرأ أن يشعر بأنّه يقرأ / لا سيّما عندما يكون منصرفا بكلّ انتباهه إلى القراءة ، كما إنّ الّذي يتصرّف بشجاعة لا يشعر بذلك ما دام مستغرقا في عمله . وهنالك الآلاف من هذا القبيل .
فكأنّ في الشّعور خطرا على الأعمال الّتي يرافقها في أن يغشي نقاوتها ، وهي صافية خالصة إذا أرسلت هكذا مجرّدة على حالها ، / فتكون أشدّ طاقة وحيويّة . وهذا ما يتمّ للمجتهدين عندما ينتهون إلى ذلك المقام الّذي وصفنا : فإنّهم إذ ذاك على أشدّ ما يكون حياة إذ أنّ تلك الحياة لم تتوزّع لديهم في الإحساس ، بل توحّدت في ذاتها مع ذاتها .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 78
مساهمون: أفلوطين
ص٧٨