تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
14 ليس الإنسان وبخاصّة المجتهد أمرا مزدوجا ، والدّليل على ذلك مفارقة النّفس للجسد واحتقارها للخيرات المشهورة بأنّها خيرات الجسد . ثمّ إنّ من المضحك أن تقاس السّعادة بما يمتدّ إليه مفهوم الحيوان . فالسّعادة هي الحياة الطيّبة ، / ولكنّها تتعلّق بالنّفس إذ أنّها طاقة محصورة في النّفس ، وليس في النّفس كلّها : فلا علاقة لها بالنّفس المغذّية بحيث تتّصل بالجسد من خلال تلك النّفس . ذلك لأنّ السّعادة ليست بضخامة الجسد وعافيته . كما أنّها ليست بالاحساس في أحسن أحواله : لا بل أنّ في إشباع هاتين الملكتين خطرا على / الإنسان في أن تثقلاه وتميلا به إليهما . فإذا قابل الخير الاسمي ما يعاكسه وجب حتما الحطّ من جانب الجسد وإضعافه بحيث يثبت ذلك الإنسان الفاضل أنّه مخالف للأمور الّتي تحيط به من الخارج . والإنسان المقيّد بتلك الأمور الدنيويّة ، مهما يكن جميلا عظيما ، غنيّا ، يأمر وينهى ، / فإنّه مع ذلك لا يزال من العالم الأدنى ، فلا يحسد على كلّ تلك الأمور وهو مخدوع بها . أمّا الحكيم فلا شيء منها قد يتأتّى له حتّى بوادرها ؛ وإن تيّسرت له ، فإنّه يخفّف من شأنها ، إذ لا همّ له إلّا بنفسه . فيخفّف من شأن مصالح الجسد ، ويخمد حميّتها بإهماله لها . أمّا الوظائف فيزهد فيها . / يحافظ على صحّة الجسد ، ولكن لا يريد أن يجهل المرض جهلا تامّا ، كما أنّه يريد الّا يبقى عديم الخبرة بالأوجاع ، وإذا لم تصبه في عهد شبابه ، فهو يريد أن يعرفها على كلّ حال . أمّا عندما يدركه الكبر ، فإنّما يريد الّا تقلقه تلك الأوجاع ولا تلك الملذّات ، ولا شيء من تلك الأحوال الّتي تلازم الحياة في هذا الدّنيا ، سواء وافقت طبعه أو خالفته ، حتّى لا يحوّل / نظره إلى الجسد . ولكن إذا اعتراه الألم حينئذ قابله بالقوّة الّتي أمدّ بها ضدّ الألم . ثمّ إنّ اللذّة والصّحّة والسّلامة من الألم لا تزيد في سعادته ، كما إنّ هذه السّعادة لا تسلب ولا تخفّف في الأحوال المعاكسة . فإذا لم يكن الطّرف الأوّل يزيد شيئا ، فكيف يحرمه الطّرف الثّاني من أيّ شيء ؟ 15 ولكن إذا حصل لحكيم كل ما يقال أنّه ملائم للطبيعة ، وحصل لحكيم العكس تماما ، فهل نقول أنّ السّعادة تمّت لكليهما على السّواء ؟ نعم ، طالما أنّهما متساويان فضلا وحكمة . - وإذا كان أحدهما جميل الجسد ، وتوفّرت له كلّ تلك الأمور الّتي لا صلة لها قطّ بالحكمة ولا بالفضيلة ولا بمشاهدة الأكمل ، / ولا يجعل الإنسان هو والأكمل شيئا واحدا ، فما القول حينئذ ؟ إنّ هذا الحكيم نفسه الّذي توافرت له تلك الأمور ، ألن يتباهى بأنّه أسعد من ذاك الذي حرمها . فإن الازدياد منها لا ينهض من الأمر بما يساعد النّافخ في النّاي على نيل مراده . بل إنّا ننظر إلى الحكيم والسيّد السعيد من خلال عجزنا ، فنرى من المخاوف والأخطار / ما لا يخطر بباله ، حتى أنّه لا يكون حكيما ولا سعيدا ، ما دام لم يبدّل ما لديه من
تاسوعات أفلوطين — صفحة 80 | أفلوطين