11 وإذا قال بعضهم أنّ إنسانا مثل هذا لا حياة له ، أجبناهم بل إن له حياة ، ولكنّهم لا علم لهم بسعادته ولا بحياته . وإذا كانوا لا يقتنعون ، فالصّواب ، فيما نرى ، أن يفترضوا وجود إنسان حيّ مجتهد ثمّ يتساءلوا بعدئذ أسعيد هو ؟ وليس الصّواب أن ينقصوا جانب الحياة / فيه ثمّ يسألوا عمّا إذا توافرت له الحياة الطيّبة ، ولا أن يرفعوا الكيان عن الانسان ثمّ يبحثوا عن سعادته ، ولا أن يسلّموا بأن المجتهد موجّه وجهه إلى ما هو كامن في باطنه ثمّ يطلبوه في الأفعال الظّاهرة ؛ فليس مراده ، بوجه عام ، أمرا من الأمور الظّاهرة . ومن ثمّ فإنّ السّعادة لا قوام لها ما داموا يذهبون / إلى أنّ أغراض الإرادة أمور الظّاهر ، وأنّ المجتهد يريدها . فإنّ المجتهد يودّ لو أنّ النّاس كلّهم على خير حال والّا يصاب أحد بأذى قطّ ، وإن لم يتمّ ذلك ، فإنّه سعيد على كلّ حال . وإذا قال قائل : « إنّ من أراد ذلك طلب المحال إذ لا بدّ للشرّ أن يكون » ، / بيّن لنا بهذا القول أنّه يوافقنا على توجيهنا إرادة المجتهد نحو ما هو كامن في باطنه .
12 أمّا إذا طالبوا بما يلذّ للمرء في حياته مثل تلك الحياة ، فالحقّ أنّ ما يحصل فيها ليس ملذّات الإباحيّين ولا ملذّات الجسد ( إنّ تلك الملذّات لا يمكن أن توجد في مثل تلك الحياة ، وهي تبطل السّعادة ) ولا الأفراح المفرطة ( وما جدواها ؟ ) إنّما تحصل حينئذ اللذّة الّتي تلازم الخير على / اختلاف وجوهه فتحضر بحضوره ولا يعتريها التّغيّر والتّقلب . فإنّ الخير في مختلف وجوهه أمر حاصل حاضر ، ما دام المجتهد حاضرا أبدا في ذاته مع ذاته ، فاللذّة ثابتة إذا وإنّ ذلك للطمأنينة .
لكنّ المجتهد في اطمئنان أبدا ، وحالته حالة السّكون والارتياح لا يزعزعها شرّ يذكر ، ما دام منصرفا إلى اجتهاده . / وإن يلتمس أحد نوعا آخر من اللذّة في حياة المجتهد ، فهو لا يقصد حياة المجتهد .
13 أمّا أفعاله فلا تجد الأقدار من استرسالها ، بل تتكيّف حسب تكيّف الأقدار ، على أنّها تبقى دائما حسنة بل إنّها تزداد حسنا بقدر ما يكتنفها من الظّروف المعاكسة . أمّا أفعاله المتعلّقة بالنّظر ، فمنها ما يكون في وضع الجزئيّات وربّما لا يكشف عنها إلّا بعد البحث والتّدقيق ؛ أمّا / العلم الأعظم فهو أبدا في متناول يده ومعه ، لا بل إنّ المجتهد أحرى بهذا الوصف فيما لو كان في « ثور فيلاريس » المشهور ، وهي حالة من العبث أن توصف بأنّها مستحبّة ، ولو قيل ذلك مرّتين وغير مرّة . ذلك لأنّ صاحب هذا القول عندهم ( أي عند الرّواقيّين ) هو بالضّبط ذلك الّذي يكون في حال الألم ؛ أمّا نحن فنميّز في المجتهد بين ما يتألّم وبين ما / يلازمه طالما كان مكرها على تلك الملازمة ولا يحرم مشاهدة الخير الكلّيّ .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 79
مساهمون: أفلوطين
ص٧٩