فإنّها لا تنتهي إلى باطنه . وهذا القول يصحّ عليها أمرا أمرا ، كما إنّه يصحّ على غيرها ، وعلى الأوجاع والأحزان أيضا . وما القول في تلك الأوجاع إذا كانت عند الآخرين ؟ إنّا نرى في التّأثّر بها عندنا تخاذلا في النّفس . والدّليل على ذلك هو أنّا نرى الخير لنا أن نجهل تلك الأوجاع ؛ / أو أن تقع بعد موتنا حين تقع ؛ فلا تهمّنا مصلحة الآخرين بل مصلحتنا نحن ، حتّى لا ينالنا ألم .
هذا هو تخاذلنا بالضّبط ؛ فيجب أن نستأصله ولا نكتفي بأن نحاذر عليه أن يقع . وإذا قال أحدهم : « إنّا فطرنا على أن نتألّم ممّا يصيب ذوينا » ، فليعتبر أن الأمر ليس هكذا عند الجميع ، / وأنّ من شأن الفضيلة أن ترتفع بما هو مشترك بين العوام ، فتتجاوز مستواهم إلى الخير والأفضل ؛ ويجمل بنا الّا نستسلم إلى ما يبدو مخاوف عند العوام . ولا نكونن من ذوي الغرّة ، بل مثل الرّياضيّ الماهر ، فنعدّ أنفسنا لدرء ضربات القدر ، ونعلم / أنّها مرهقة لبعض النّاس ولكنّها محتملة بالنّسبة إلينا ؛ فليست بمنزلة الأخطار ، بل هي بمخاوف الصّبيّة أشبه ، فهل يكون المجتهد قد أرادها ؟ كلّا ! بل عنده الفضيلة يتذرّع أمام ما لا يريده إذا حدث ، وتجعل هذه الفضيلة النّفس حينذاك رابطة الجأش لا تضطرب أبدا . /
9 وإذا فقد الوعي واصطلحت عليه الأمراض واستحوذت عليه حيل السّحر ؟ فإن يبق ( الرّواقيّون ) على رأيهم في أنّه في هذه الحال لا يزال مجتهدا كأنّه مستغرق في النّوم ، فما الّذي يمنع من أن يكون سعيدا ؟ وما داموا لا يسلبون عنه السّعادة في حال النّوم ، فإنّهم لا يحسبون تلك الفترة موضوعا / للبحث كأن يذهبوا إلى أنّه ليس سعيدا كلّ أيّام حياته . أمّا إذا قالوا إنّه لم يعد مجتهدا ، حينذاك ، فإنّهم لا يحسبون موضوع البحث متعلّقا بالمجتهد . ذلك بأنّا افترضناه نحن مجتهدا ؛ ثمّ تساءلنا فقط بعد ذلك هل كان سعيدا ما دام مجتهدا . وإن قالوا :
و « ليكن مجتهدا » . إلّا أنّه طالما لا يشعر / بذلك ، ولا يعمل بمقتضى الفضيلة ، فكيف يكون سعيدا ؟ ولكن إذا كان لا يشعر بصحّته ، فهل يكون من الصّحة على جانب أقل ؟ وإذا كان لا يشعر بحسنه أفيكون من الجمال على جانب أقل ؟ وهل يكون من ثم أقلّ حكمة لأنّه لا يشعر بحكمته ؟ نقول هذا إلّا إذا كان أحدهم يعني أنّ الحكمة تنطوي حتما على الشّعور وعلى حضور الإدراك / إذ أنّ السّعادة تتمثّل في الحكمة الّتي تكون حكمة حقّا . أجل لا بأس بالرّأي فيما إذا كانت الفطنة والحكمة أمرين دخيلين مكتسبين ؛ أمّا إذا كان قوام الحكمة في ذات ما ، أو بالأحرى في الذّات ، ولم تكن تلك الذّات معدومة عند النائم / ولا عند من يوصف بالغيبوبة عن الوعي ؛ وكانت الطاقة المستكنة في تلك الذّات لا تزال ثابتة في المجتهد ، ولم يكن ينال تلك الطّاقة وهن ولا خمود ، فإنّ المجتهد ، ما دام مجتهدا ، يظلّ ، ولو كان على تلك الحال ،
تاسوعات أفلوطين — صفحة 77
مساهمون: أفلوطين
ص٧٧