يقول بعضهم : « إنّما نعني الكوارث الجسيمة لا الحوادث التّافهة » . فما هي لعمري الجسائم في الأمور الإنسانيّة الّتي لا يستخفّها / من تجاوز كلّ شيء في تساميه إلى ما فوق الأمور جميعا ، حتّى غدا لا يربطه بالسّفليّات رابط ؟ فلما ذا يعتبر الأمور الّتي كتب لها النّجاح ، مهما تعاظمت ، غير ذات بال ( مثل الملكيّة والزّعامة على المدن والشّعوب وتأسيس الجاليات والمستعمرات ، ولو كان هو الّذي قام بها ) ، / ثمّ ينظر إلى تفويض السّلطات وانهيار بلاده ، فيراهما من جسائم الأمور ؟ وإذا رأى في ذلك شرّا جسيما ، بل مجرّد شرّ ليس أكثر ، فإنّه صاحب رأي جدير بالسّخرية ، وليس أهلا بحال إلى أن يكون من المجتهدين ، إذ إنّه يعتبر الخشب والحجر ، بل إنه ليعتبر ، وأيم الحقّ ، موت ما لا بدّ أن يموت ، من عظائم الأمور . وهو الّذي وصفناه رجلا مفروضا فيه أن يرى الموت خيرا من الحياة / مع الجسد . وإذا قرّب هو ذاته قربانا ، هل يحسب الموت شرّا بالنّسبة إليه لأنّه مات على المذابح ؟ وإذا لم يوار في قبر ، فإنّ البلى سيعتري حتما جسده سواء أترك فوق التّراب أم وضع تحته . وإذا لم يشيّع بجنازة ضخمة بل حمل إلى قبره خامل الذّكر ولم يعدّ أهلا لأن ينقش على ضريحه نصب تذكاريّ . / فيا لها من سخافة ! إذا أسر في حرب ، كان له « منفذ يخرج منه » طالما استحال عليه أن يبقى سعيدا . والآن إذا أسر ذووه ، واغتصبت كنائنه وبناته » مثلا فما عسى أن نقول ؟ أجبنا : وما ذا لو مات بدون أن يشاهد أمرا مثل ذلك ، فينطلق وهو على الاعتقاد أنّ شيئا من هذا القبيل / لن يتمّ ؟ إنّه لغبيّ إذا ! أوليس ينبغي له أن يعتقد أنّه من الممكن أن تطرأ على ذويه شدائد مثل الّتي ذكرنا ؟ أو يردّ هذا الاعتقاد السّعادة عنه ؟ كلّا ! بل إنّه سعيد بالرّغم من اعتقاده وهو سعيد ولو أصيب بمثل تلك الشّدائد ! فإنّه حينئذ على يقين من أنّ العالم الكلّيّ يسير هكذا ، / فلا بدّ من احتمال الطّوارئ والانقياد لها . هذا فضلا على أنّ كثيرا من أسراء الحرب ، قد تتحسّن حالهم بعد أسرهم . ثمّ إنّ لهم أن يغادروا الحياة إذا كانوا مرهقين . فإذا بقوا ، كانوا في اختيارهم البقاء إمّا على صواب ولا خطر عليهم إذا ، وإمّا على خطأ إذا كان من الواجب الّا يبقوا ، وحينئذ هم الّذين جنوا على أنفسهم / .
فإنّ المجتهد لا يورّط نفسه في الشّرّ بسبب حماقة الآخرين ولو كانوا من ذويه ، ولا يربط مصيره بسعد الطّالع وسوئه عندهم .
8 أمّا أوجاعه هو ، فإذا اشتدّت احتملها ما استطاع ، وإذا كانت فوق الطّاقة أودت به . فلن يحاول استثارة الشّفقة عند ذاك بل تكون شعلته في باطنه مثل نور في سراج عندما تعصف الرّياح من حوله وتنهب الأعاصير وتزمجر . / وما عسى أن يصنع إذا فقد الشّعور وامتدّ به الألم حتى اشتدّت عليه ووطأته بدون أن يهلكه ؟ إنّه إذا امتدّ به الألم ، قرّر بنفسه مصيره ؛ فإنّ حرّيّة الاختيار لا تنتزع منه في تلك الظروف . هذا مع العلم بأنّ تلك الأمور لا تبدو للمجتهد كما تبدو لغيره / :
تاسوعات أفلوطين — صفحة 76
مساهمون: أفلوطين
ص٧٦