تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
إذا كانت السّعادة في الحصول على الخير الحقّ ، فلما ذا نتهاون في تركيز اعتبارنا على ما هو ذلك الحقّ وما إليه ، / فنحكم أنّ السّعادة في طلب ما ليس منها ؟ ذلك لأنّه إذا كانت السّعادة أن تتوافر لدينا جملة من الخيرات والضّروريّات ( ربّما لا تكون من الضّروريّات ، بل تعتبر مع ذلك كخيرات ) لما كان بدّ من طلبها واستحضارها . أمّا إذا كانت الغاية واحدة لا كثرة فيها ، ( وحينئذ لا يكون السّعي وراء غاية بل وراء غايات ) ، فالّذي ينبغي أن يتّخذ دون غيره ، هو الأمر الاسمي والأفضل ، وهو الّذي تسعى النّفس إلى أن تنطوي عليه في أعماق ذاتها . فما النّفس بالّتي تسعى وتقصد ، ثمّ لا يتمّ لها أن تستقرّ في تلك الغاية . / أمّا تلك الأشياء الّتي لا كيان لها في حقيقتها ، بل تمرّ عابرة فقط ، فإنّ التّعليل العقليّ يتجنّبها وينحّيها عن نطاقه ؛ أو أنّه يسعى إليها على أنّها فضلات . أمّا اندفاع النّفس ، فإلى ما هو أفضل منها ، والّذي إذا تحقّق كان فيها الحفل والاطمئنان : تلك هي الحياة المرادة حقّا . ليس لتأمين ضروريّات الحياة إرادة ، ما دامت الإرادة معتبرة على معناها الصّحيح ، غير المشوّه ، / ولو كنّا نقدّر تلك الضّروريّات حقّ قدرها . فإذا كنّا بوجه عامّ ، نتجنب الشّرّ ، فليست رغبة النّفس في ذلك التّجنب ، بل إنّ رغبتها بالأحرى الّا تكون في حاجة إلى ذلك التّجنّب . والدّليل على ما نقول تلك الأمور نفسها إذا حضرت ، كالصّحّة مثلا والسّلامة من الألم . فما الّذي / يرغّبنا فيها ؟ إنّا لا نهتمّ بالصّحّة ما دامت حاضرة ، وهكذا أيضا في ما يختص بالسّلامة من الألم . فليس في تلك الأمور إذا حضرت ما يرغّب فيها ، وهي لا تضيف شيئا على السّعادة ، وإنّما تطلب إذا حلّت محلها أضدادها المؤلمة . فيجدر أن يقال فيها أنّها ضروريّات معاشيّة وليست قطّ خيرات . / ومن ثمّ لا نحصيها مع لوازم من الكمال المطلق ، بل إنّ من شأن هذا الكمال أن يبقى خالصا على ما هو عليه ، حتّى ولو غابت وحلّت محلها أضدادها . 7 ولما ذا إذا يرغب الرّجل السّعيد في حضور تلك الأشياء ويدفع عن نفسه أضدادها ؟ نقول لا لأنّها تسهم في توفير السّعادة ، بل بالأحرى لأنّها تسهم في تأمين الأيس . فإنّ من شأن أضدادها إذا حضرت أن تؤدّي إلى الأيس أو أن تكون عائقا في وجه الغاية . لا بمعنى أنّها تزيل تلك الغاية ، ولكن بمعنى أنّ من حصل / على الأفضل أراد أن يحصل عليه دون غيره ؛ فإذا حضرت تلك الأضداد ، لم تزل ذلك الأفضل ، بل إنّما يكون هو وهي معه . هذا وإذا طرأ على الرّجل السّعيد طارئ لا يريده ، لم يسلبه حتما شيئا من سعادته ؛ والّا كان كلّ يوم في تقلّب مستمرّ / وأخرج من سعادته : كأن يفقد مثلا ولدا من أولاده أو شيئا من أمواله . بل إنّ الألوف من الطوارئ قد تقع وهو لا يريدها ، فلا يعتريه - وقد أدرك غايته - شيء من الاضطراب . قد