الخير . فما من خير إلّا وهو في قبضته . ولكنّه إذا طلب / شيئا ، إنّما قصده شيئا ضروريّا ، وليس لنفسه بل لأمر من الأمور التي تخصّه . فإنّما يطلب ذلك الشّيء للجسد المرتبط به : إذ أنّ للجسد ولو كان حيّا ، أمورا خاصّة به ، هي غير أمور الانسان على ما وصفناه . والانسان يعرف تلك الأمور ، فيؤمّن منها للجسد ما يؤمّنه ، بدون أن ينزع شيئا من حياته الخاصّة . فإن يقلب له الدّهر ظهر المحن ، / لا يصب في سعادته ، بل يبقى على مثل تلك الحياة الكاملة . وعند موت ذويه وأصحابه ، يعرف الموت ويعرفه أيضا هؤلاء الّذين يكابدونه ، ما داموا من ذوي الاجتهاد ؛ وإذا مات ذووه وأصحابه لم يصبه الحزن على موتهم في ذاته ، بل في النّاحية المعدومة الرّوح منه ، فلا / يناله منها اضطراب .
5 هذا وما شأن الأوجاع والأمراض ، ما شأن العوائق الّتي تحبس عن الفعل بوجه عامّ ؟
وما القول أيضا فيما إذا كان الانسان قد فقد تعقّب ذاته ، وهو أمر يحصل من أثر المخدّرات وبعض الأمراض ؟ بله إذا كان ذلك الانسان ذا فقر ومعيبة ، فكيف يكون في تلك الحالات صاحب حياة طيّبة ، متمتّعا بالسّعادة ؟ لا شكّ في أنّ من / أمعن النّظر في تلك الأمور ، توقّف متردّدا لا سيّما إذا تذكّر مصائب « بريآم » المشهورة . نعم قد يصبر على كلّ تلك الشّدائد ، بل قد يصبر عليها بيسر وسهولة ، إلّا أنّه لم يردها . وما الحياة السّعيدة إلّا في ما يراد . هذا مع العلم أنّ المجتهد ليس نفسا مجتهدة فقط ، حتّى لا يقام في حدود / ذاته لكيانه الجسديّ حساب . قد يقال إنّه لا مانع من التّسليم بأن يعتبر الجسد على ما وصفناه ، أعني على أنّه جزء من الإنسان ، ولكن بقدر ما ترتفع تأثّرات الجسد وتنتهي إلى هذا الانسان ، وعلى سبيل التّعاكس ، بقدر ما يكون اختيار الانسان للأمور أو تجنّبه إيّاها لصالح الجسد . ولكن إذا عدّت اللذّة من قوام الحياة السّعيدة ، فكيف يكون سعيدا من أصيب بحادثات الدّهر وضرباته ، / حتّى ولو أصابته وهو في حال المجتهد ؟ إنّ حالة كتلك الّتي وصفنا ، قائمة بالسّعادة والاكتفاء بالذّات ، إنّما هي للآلهة ؛ أمّا الإنسان ، فإنّه أضيف إليه ما هو من الشّأن الأقلّ ، وهذا أمر يقتضي أن تطلب السّعادة الحاصلة فيه بالنّسبة إلى الجملة ، وليس فقط بالنّسبة إلى ما هو بعضه : فإذا ساءت حالته في بعضه ، منع بعضه الآخر / حتما عن الانصراف إلى ما هو من شأنه ، لأنّ أمور بعضه الأوّل ليست على حسن الحال . وإلّا فلا بدّ من الإقلاع عن الجسد ، وعن إحساس الجسد ، وهكذا نطلب الاكتفاء والاستغناء للحصول على السّعادة .
6 هذا وإن كان مقصود كلامنا أنّ السّعادة تتمثّل في الّا نتألّم ولا نمرض ولا نصاب بالمحن ، ولا نقع في الشّدائد ، لما تمّت السّعادة لأحد ما دامت المعاكسات حاضرة . أمّا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 74
مساهمون: أفلوطين
ص٧٤