للذي لا عقل لديه ، إذ إنّه ينال ضروريّات الطّبيعة بدون عقل وبدافع / الطّبيعة ، علاوة على أنّ العقل يصبح حينذاك الأداة المسخّرة ولا يقصد لذاته ، لا هو ولا كماله الذي نسمّيه الفضيلة .
وإذا قلتم إنّه لا يكتسب شرفه بواسطة الأوّليات التي تقتضيها الطّبيعة ، بل إنّه هو ذاته أهل لأن يرحّب به ، وجب أن تصرّحوا بالفعل الآخر الذي يقوم به وبحقيقته ، / وبالذي يجعله كاملا .
فالأمر الذي لا بدّ منه هو أنّ العقل ليس كاملا بسبب المشاهدة المتعلّقة بتلك الضّروريّات ، بل إنّ له كمالا من نوع آخر ، كما أنّ له حقيقة غير تلك التي ذكرنا ؛ فليس من مستوى تلك الأوّليات التي تقتضيها الطّبيعة ، ولا ممّا هو أصل لها ، بل إنّه لا يمتّ بصلة إلى هذا النّوع من الأمور / : إنّه هو فوق ذلك كلّه . وإلّا فلست أرى عن أيّ طريق يثبتون له ذلك الشّرف » .
وريثما يجد هؤلاء المفكّرين حلّا أفضل ممّا هو عليه الآن ، فلندعهم فيما يريدون أن يقفوا عنده ، يحاولون عبثا أن يتبيّنوا كيف الوصول إلى اكتشاف أصل الحياة الطّيّبة عند الذي قدّرت له . /
3 أمّا نحن فنستعيد الكلام من بدايته ونميط اللّثام عن مفهوم السّعادة . فإذا جعلنا السّعادة في الحياة ، واتّخذنا لفظة الحياة على التّرادف ، سلّمنا بأنّ كلّ حيّ قابل لأن يكون سعيدا :
فالحياة الطّيّبة فعلا ثابتة لكلّ من حصل عندهم أمر هو ذاته واحد عند الجميع ، / وعليه فطر الأحياء كلّهم . فلا نسلّم بإمكانه للحيوان الناطق من دون الحيوان غير الناطق . فإنّ الحياة معنى مشترك ، من شأنه أن يؤمّن عند الجميع قابليّة الأمر الواحد اللازم لنوال السّعادة ، ما دمنا نعتبر السّعادة نوعا من أنواع الحياة . ومن ثمّ ، فيما أرى ، فإنّ الذين يحصرون السّعادة في الحياة الناطقة / ولا يجعلونها في الحياة المشتركة بين الأحياء جميعهم إنّما يذهبون ، عن غير دراية منهم ، إلى أنّ السّعادة ليست حياة . فيضطرّون إلى القول بأنّ ملكة العقل التي تربط السّعادة بها ، إنّما هي صفة لازمة ليس أكثر . مع أنّ محلّ تلك الصّفة ، في رأيهم ، هو الحياة الناطقة إذ إنّ السّعادة ترتبط بها على أنّها الكلّ . فإنّ السعادة ترتبط إذا بالحياة التي / هي على نوع يختلف عن الأنواع الأخرى . ولست أعني بأنواع الحياة هنا ما يقصد بتقابل أنواع الجنس الواحد في أكثرهن : بل ما تدلّ عليه بالقول « إنّ هذا الحدّ هو السابق وذلك هو اللاحق » .
إنّ للحياة إذا وجوها شتّى يحصل فيها تمييز بحسب الأوّليّات وبحسب الثانويّات وهلمّ جرّا ، ومن ثمّ تقال على سبيل الاتّفاق / فلا تكون في النّبات مثلما هي في الحيوان غير الناطق ، على أنّ أنواع الحياة تميّز حينئذ وفقا لدرجة الإشراق والغموض : فلا غرو إن كان هذا القول يطبّق أيضا وبالقياس على طيب الحياة . ثمّ إذا عدّ كلّ شيء في مستوى ما ارتساما لما في مستوى آخر ، فواضح أن طيب الحياة في الأوّل ارتسام لطيب الحياة في الثاني . وإذا كانت السّعادة / للذي يتمتّع بالحياة الفائقة فقط ، وهو الذي لا نقصان في حياته ، فإنّ السّعادة فقط
تاسوعات أفلوطين — صفحة 72
مساهمون: أفلوطين
ص٧٢