فذاك يعرف أيضا أنّى كان مجيئه .
8 إنّ نفسا إذا ألفت العلم بما كانت عليه في ذاتها ، علمت أيضا بأنّ حركتها لا تكون مستقيمة إلا إذا انصدعت . فإنّ حركتها طبعا مثل التي في الدائرة لا تدور حول ما في الخارج بل حول مركز . فالمركز هو ما تنبعث منه الدائرة ، فتتحرّك حول ما كانت منه منبعثة / وترتبط به متجمّعة في اتّجاهها إلى بما قامت عليه في ذاتها . إنّه هو الذي ينبغي أن تتحرّك النّفوس إليه ، ولا يتحرّك إليه دائما إلّا نفوس الأرباب . إذا أسرعت النّفوس إليه أصبحت ربّانيّات . فالرّبانيّ هو الذي يتعلّق بالواحد ؛ أمّا الذين يقفون منه بعيدا فهم العوامّ وهي البهائم . فهل كان مطلوبنا ما هو من النّفس كأنّه المركز ؟ / إلّا إنّه يجب أن نتصوّره شيئا آخر ، بمنزلة ما تتقاطر عليه المراكز كلّها لأنّه على قياس المركز في دائرتنا الحسّيّة . فليست النّفس دائرة بمعنى أنّها شكل هندسيّ ، بل لأنّ فيها وحولها تلك « الحقيقة القديمة » ، فمن هذا الأمر جاءت نفوسنا ، بل هي أولى بأن تكون منفصلة جميعا . أما الآن فقد أمسك البدن بجزء ممّا نحن عليه في ذواتنا . / مثل ذلك مثل امرئ كانت أقدامه في الماء وكان هو فوق الماء بسائر جسمه . إنّا فوق الجسد بما لم يغمره الجسد بنا ، فنتّصل بهذا الجزء منا ، وهو بمنزلة المركز لما نحن عليه في ذواتنا ، بما كان للأشياء كلّها كأنّه مركزها . على هذه الحال تكون مراكز الدّوائر الكبرى / مع مركز الكرة المحيطيّة . عند ذاك نرتاح آمنين . فلو كانت هذه الدّوائر جسمانيّة ولم تكن دوائر نفسيّة ، لبات اتّصالها بالمركز اتّصالا مكانيّا وحيثما يقع المركز وقعت هي حوله . لكنّه ما دامت هذه النّفوس أمورا روحانيّة ، وكان الواحد فوق الروح ، / يجب أن نتصوّر الاتّصال قائما بقوى أخرى ، على نحو ما يكون الاتّصال طبعا بين العارف والمعروف وأعظم . فإنّ العارف يحضر بكونه مماثلا للمعروف ، وكون الطّرفين أمرا واحدا . فيتّصلان بما بينهما من تجانس ولا فاصل يفصل . أمّا الأجسام فإنّها تمنع الأجسام من أن يشارك بعضها بعضها الآخر ؛ ولكنّ الأمور المنزّهة عن الجسمانيّة / لا تنقصل بأجسام . فلا يكون تباين بعضها عن بعض تباينا مكانيّا ، بل تباينا بالغيريّة والخلاف ؛ وإذا زالت الغيريّة حضر بعض الأمور غير المتخالفة إلى بعضها الآخر . أمّا هو فيكون حاضرا دائما لأنّه ينطوي على غيريّة ؛ أمّا نحن فنكون حاضرين عندما لا ننطوي على غيريّة . ثمّ إنّه لا يرغب فينا ليقيم من حولنا ، / في حين أنّا ، نحن ، نرغب فيه لنقيم من حوله . إنّا لسنا دائما إليه ناظرين ولكنّا من حوله دائما مقيمون . بل مثلنا كمثل جوقة تغنّي وهي حول قائدها تقيم فقد يتأتّى لها أن تلتفت إلى خارج المشهد . أمّا إذا بقيت موجهة وجهها إلى قائدها فقد كان غناؤها حسنا وكانت مقيمة هي حقّا من حول قائدها . / وكذلك القول في أمرنا نحن :
إنّا نحن مقيمون من حوله ، وعندما نكنّ عن الإقامة من حوله نلقى الحتف حتما ونهلك . إلّا أنّا
تاسوعات أفلوطين — صفحة 697
مساهمون: أفلوطين
ص٦٩٧