النّفس ووالد لها ( فهو العالم الروحانيّ ذاته ) ، وجب القول فيه إنّه ثابت وإنّه حركة ساكنة ما دام يشتمل على الأشياء كلّها وهو أيضا الأشياء كلّها ، / في كثرة لا تباين فيها مع أنّ فيها كذلك تباينا . فإنّه ليس في كثرة الروح تباين مثل الذي يقع بين المعاني التي نتصوّرها معنى بعد معنى ، كما أنّ ما تنطوي عليه هذه الكثرة لا يختلط بعضه ببعضه الآخر . كلّ أمر يبدو للعيان على حياله مثلما هو الحال في العلوم ، حيث نجد المعلومات كلّها كلّا لا يتجزّأ ، وكلّ معلوم ، مع ذلك ، منفصلا عن المعلومات كلّها . إنّ هذه الكثرة المتّصل بعضها ببعض ، هذا العالم / الروحانيّ ، هو في جوار الأوّل . والعقل يدلّ بالضّرورة على أنّ هذا العالم ثابت حقّا ما دمنا نسلّم بأنّ النّفس ثابتة حقّا ، على أنّه هو فوقها . لم يكن هو الأوّل ، مع ذلك ، لأنّه ليس واحدا وليس بسيطا .
فالبسيط هو الواحد وأصل الأشياء كلّها . كان هذا الأمر إذا ولم يكن ما هو بين الأمور أشرفها إذ إنّه لا بدّ من أن يكون شيء قبل الروح الذي يريد أن يمسي واحدا / وهو ليس بواحد بل على مثال الواحد . ذلك بأنّه الروح لا يتشتّت عن ذاته ، بل يقيم حقّا مع ما كان عليه في ذاته ، فلا يجزّئ ما قام عليه في ذاته لأنّه في جوار الواحد وبعده . إلّا أنّه جرؤ إن جاز لنا التّعبير ، أن يبتعد عن الواحد . كان الأمر العجيب المتقدّم على الروح هو الواحد إذا . إنّه لم يكن حقّا ، وإلّا لأطلق الواحد هنا عن سواه ، / وإنّه لا يليق به اسم مهما نتحرّ الصّحّة في ما نقول . ولكن لا بدّ له من تسمية . فأجمع الرّأي على أنّ الاسم الذي يليق به هو « الواحد » ، من غير أن يكون شيئا ثم يمسي ذلك الشّيء واحدا . ولذلك صعبت معرفته ، وكان بالأحرى معروفا عنه تولد ، أعني بالذات .
فإنّه هو الذي يسوق الروح إلى الذات . أمّا حقيقته فهي بحيث تكون المعيّن للأمور خيرها ، / وهي قوّة تبدع الحقائق باقية على ما كان عليه في ذاتها ، فلا تنقص ولا تصبح في ما أبدعته ، لأنّها كانت وما كان ما أبدعته . إنّما نسمّيها الواحد لاضطرارنا إلى أن يدلّ بعضنا بعضا عليها ، فنهدي بالاسم إلى تصوّر أمر لا يتجزّأ ونحاول بذلك أن نقيم النّفس في الوحدة . / على أنّا لا نعني بالواحد هنا وبما لا يتجزأ ما نعنيه في ذكر النّقطة أو الواحد العدديّ . فإنّ الواحد بهذا المعنى هو أصل الكمّ ، وليس للكمّ قوام قبل الذات وقبل الذي كان على الذات متقدّما . فلا ينبغي أن نرسل الفكر في هذين المعنيين بل نمثّل بهما لما بينهما وبين الواحد من قياس بالبساطة وبالانفلات من / الكثرة والتّجزّؤ .
6 والآن بأيّ معنى نقول فيه إنّه واحد ، وكيف ينبغي أن يقع التّنسيق بينه وبين العرفان ؟ ألا إنّا نتصوّره واحدا بأعظم من الوحدة التي يردّ إليها الواحد العدديّ والنّقطة . فإنّ النّفس هنا تتجرّد عن المقدار وكثرة العدد فتنتهي إلى الصّغر في منتهاه وتستند إلى أمر ما لا يتجزّأ . لكنّ هذا الأمر قائم في ما يتجزّأ هو في غيره . / أمّا أمرنا فما كان في غيره أو في ما يتجزّأ ، كما أنّه
تاسوعات أفلوطين — صفحة 694
مساهمون: أفلوطين
ص٦٩٤