تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 699

مساهمون:

ص٦٩٩
عشقنا على أشدّه . وليذكر أيضا أنّ هذه المعشوقات هي فانية ومضرّة ، وأنّ هذا العشق عشق رسوم وهو لا يلبث . ذلك بأنّه لم يكن معشوقنا هو المعشوق حقّا ، ولا خيرا محضا ، كما أنّه ليس ما كنّا عنه نبحث . فالمعشوق الحقّ هو هنالك : نتّحد به / ونأخذ منه حظّنا ونملكه حقّا ، ولا نضمّه إلينا ضمّا جسمانيّا من الخارج . وقد يعلم ما أعني ذلك الذي شاهد . وهو أن للنفس حياة مستجدّة آنذاك وقد أخذت في السّير نحو الواحد وأقبلت وأخذت منه حظّها . فتعلم ، وهي على هذه الحال ، أنّه قد حضر ذلك الذي يمدّ بالحياة الحقّة ، / فلا تحتاج إلى شيء بعد ذلك . بل لا بدّ لها من أن تخلع عنها كلّ ما سواه ، وتثبت فيه هو وحده وتتحوّل إليه وحده وقد حرمت كلّ ما بقي بها عالقا . فتخفّ إلى الخروج من هاهنا ، وتتبرّم بالأغلال التي تصلنا بالطّرف الآخر ، حتّى نضمّ الواحد إلينا بكلّ ما نحن عليه في ذواتنا ولا يبقى / جزء من أجزائنا إلّا ولا مسنا به الإله . عند ذاك تصحّ لنا مشاهدة الواحد ومشاهدة ما نحن عليه في ذواتنا بقدر ما تجوز المشاهدة . فينهض ما نحن عليه في ذواتنا ساطعا ، بالنور الروحانيّ حافلا ، أو هو بالأحرى نور طهر وخفّ ودقّ . لقد أصبحنا الإله والأولى بالقول إنّا قد كنّا الإله حقّا ، فإنّا مجذوبون حينئذ ، ولكنّا نشعر بالذّبول يعترينا إذا عاد الثّقل وأدركنا . / 10 فما بال النّفس لا تبقى هناك ؟ ذلك بأنّها خرجت من هاهنا ولم يتمّ لها الانعتاق في كماله . ولكنّه يأتي زمان تكون فيه المشاهدة متواصلة فلا ينبعث من البدن بعد ذلك كدر على المتكدّر . وليس المتكدّر فينا هو المشاهد ، بل شيء آخر إذا تعطّل المشاهد عن المشاهدة ، لا يتعطّل هو عن العلم / القائم في الأدلّة والبراهين وحديث النفس مع ذاتها . فإنّ الشّهود والمشاهد لا يكونان من قبيل العقل ، بل من قبيل ما كان أعظم من العقل وقبله ومشرفا عليه ؛ وكذلك الأمر في المشاهد . وإن نشاهد ، إذ نشاهد ، ما نحن عليه في ذواتنا ، أنّا من ذلك الطّراز كنّا ، بل إنّ كلّا منّا متوحّد مع ذاته / وهو ذلك الطّراز ويشعر بأنّه هو ذاته من هذا الطّراز لأنّه أصبح بذاته أمرا بسيطا . وربّما وجب الّا يوصف بأنّه يرى . ولكنّا نقول ، لمّا لم يكن من ذكر الأمرين بدّ هنا ، المشاهد والمشاهد على أنّه ليس الطّرفان أمرا واحدا ، لما في هذا القول من غلو . نقول إذا : إنّ المشاهد عند ذاك لا يرى المشاهد ولا يميّز ، حتّى وإنّه لا يتصوّر أمرين . بل أصبح هو أمرا آخر / يظلّ في كونه هو ذاته أو من ذاته . فغدا أمرا من الأمور المسهمة في الملأ الأعلى . لقد أصبح من الواحد وهو واحد بانطباقه على الواحد كما ينطبق المركز على المركز . وحتّى في الدّوائر الحسّيّة ، حين ينطبق أحد المركزين على الآخر يؤلّفان مركزا واحدا ، ولا يكونان مركزين إلّا إذا انفصلا . وبهذا المعنى نقول الآن ( بعد المشاهدة ) عن الواحد بأنّه أمر آخر . ولذلك كانت المشاهدة شيئا يصعب علينا وصفه . فكيف يسعنا أن نصفه