ليس ممتنعا عن التّجزّؤ بمعنى أنّه الصّغر في منتهاه . إنّه بين الأمور كلّها للأعظم ، لا بالمقدار بل بالقوّة . ولا غرو أن يكون المنزّه عن المقدار عظيما بقوّته ما دام الذي يقع بعده غير متجزّئ وغير قائم في أجزاء بقواه لا بأحجامه . يجب أن نتصوّره غير متناه إذا لا بمعنى العجز / عن حصر مقداره أو عدده ، بل بمعنى العجز عن الإحاطة بقوّته . وإذا أدركته بعرفانك على أنّه روح أو إله ، فإنّه الأعظم . ثمّ إذا وحدته في فكرك وجدته هنا أيضا أعظم من إله يسعك أن نتصوّره أشدّ وحدة من عرفانك . إنّ الواحد قائم في ذاته ، لم يطرأ عليه شيء عرضا . / لقد يسعنا أن نتصوّر وحدته بأنّه الاكتفاء بذاته . يجب فيه أن يستوي وهو على أشدّ ما يكون اكتفاء بذاته واستقلالا بذاته ، وعلى أبعد ما يكون عن النّقصان . كلّ ذي كثرة ، غير واحد في ذاته ناقص ما دام مؤلّفا من عناصر كثيرة . فتحتاج ذاته إلى الواحد لتكون واحدة . أمّا الواحد فلا يحتاج إلى ما كان عليه في ذاته ، لأنّه كان هو ذاته . لا بدّ لذي الكثرة / من الأجزاء التي بقدرها كان ؛ ثمّ إنّ كلّ جزء من الأجزاء التي ينطوي عليها مرتبط بالأجزاء الأخرى ، فيحتاج إليها ولا يقوم في ذاته ؛ فيبدو ذو الكثرة ناقصا في أجزائه وكلّا . وما دمنا نحتاج إلى شيء يقوم أشدّ ما يكون اكتفاء بذاته ، وجب أن يستوي الواحد ، وحده ، لا يحتاج إلى ما كان عليه / في ذاته ولا إلى غيره . فإنّه لا يطلب شيئا ليقوم به أو ليقوم عليه أو يستوي في حسن الحال . لقد كان للأمور الأخرى سببها ولم يصب منها ما كان عليه في ذاته ؛ أمّا حسن الحال ، فأنّى له وهو عن ذاته خارج ؟ لم يتّفق له أن يكون على حسن الحال ، لأنّه حسن الحال هو ذاته . ثمّ إنّه ليس له مكان إذ إنّه يحتاج إلى كرسيّ / كما لو كان عاجزا عن أن يحمل ما قام عليه في ذاته . فالمحتاج إلى ركن يقوم عليه إنّما هو ما لا نفس له ، والحجم الذي يهوي ما لم يجد ركنا إليه يستند . إنّه هو الرّكن للأمور الأخرى ، به قام كلّ أمر في ذاته ونال المحلّ الذي أعدّ له . إنّما كان ناقصا ما قام يطلب المكان ؛ أمّا الأصل فلا يحتاج إلى ما كان عنه متأخّرا ؛ هو للأشياء كلّها أصلها ، / فكان عن الأشياء كلّها غنيّا لأنّ المحتاج إنّما كان محتاجا لرغبته في أصله . فلو غدا الواحد محتاجا لطلب الّا يكون واحدا لا محالة ، فأصبح محتاجا إلى ما يفسده . لكنّ كلّ ما يعرف محتاجا ، كان إلى حسن الحال محتاجا ، فغدا إلى ما ينجّيه محتاجا . ممّا يؤدّي إلى أنّ خيرا لم يفت الواحد . فإنّه لا يريد شيئا / بل كان هو الخير الفائق ، فلم يكن خيرا لما قام عليه في ذاته بل هو الخير لغيره إن اتّسع شيء ليصيب منه شيئا . لا عرفان يستلزم الغيريّة ، ولا حركة . كان هو وما كان عرفان أو حركة . فما عسى أن يدرك بالعرفان ؟ ما كان عليه في ذاته ؟ وإذا ، فإنّه كان قبل العرفان جاهلا ، فكان محتاجا إلى العرفان حتّى يعرف ما قام عليه في ذاته ، وهو المكتفي بما قام عليه في ذاته . / لا نقول إذا ، لأنّه لا يدرك ولا يعرف ما كان عليه في ذاته ، بأنّه جاهل . فإنّ الجهل يقع بوجود الجاهل وغيره معه ، إذا جهل أحدهما الآخر . أمّا الذي كان وحده ، فلا يعرف شيئا ولا يقابله مجهول ، وما دام
تاسوعات أفلوطين — صفحة 695
مساهمون: أفلوطين
ص٦٩٥