هنالك إلى ما يتصرّف به غيره . إنّ الخير كلّا في ذاته على حال الاستقلال بالذات إذا . ولعمري ، ما عسى أن يكون منه ؟ ثمّ لا يكون ما كان هو عليه في ذاته ، ولم يكن ليحقّق ، أو لم يكن تحقّقه ؟ / فإن كان شيء ثمّ لم يكن في الخير على أنّه تحقّقه ، ما كان الخير خيرا محضا ، ولما كان مستقلا بذاته حرّا ، ولما كان على كلّ شيء قديرا . ذلك بأنّه لم يكن الخير لذلك الشّيء ربّه المتصرّف به ، فلم يكن على كلّ شيء قادرا . فأقلّ ما يقال في الأشياء التي لا يقدر عليها إنّه لم يتولّ هو ذاته إبداعها .
21 هل كان بوسعه أن يبدع إذا ما قام عليه في ذاته على غير ما أبدع ؟ كلّا ! وإلّا نفينا عنه إبداع الخير أنّه لا يسعه أن يبدع شرّا . فإنّ القدرة لم تكن هنالك بمعنى القدرة على إبداع الضّدّ ، بل بمعنى القدرة التي لا تني ولا تتزعزع ، وهي على أشدّها قدرة ما دامت تلتزم الوحدة لا تزيح عنها . / فضلا على أنّ القدرة على إبداع الضدّ هي كالعجز عن الاستمرار في الأشرف فينبغي لإبداعه ، الذي نحن في صدده ، أن يكون إبداعا يتحقّق دفعة واحدة . إنّه لنعم الإبداع . ومن عسى أن يردّه وهو إبداع قام بإرادة الإله بل كان إرادته ؟ أو يكون هذا الإبداع بإرادة مبدع أبدعه ولمّا يكن ؟ وما عسى أن ينطوي عليه من إرادة / وهو من حيث قيامه في ذاته لا إرادة له ؟ فأنّى يكون له إرادة من ذات لم تتحقّق ؟ ألا ! كانت إرادته كامنة في ذاته وهي لا تختلف قطّ عن ذاته .
أو نقول أيضا : أي شيء كان في الخير ولم يكن كأنّه الإرادة ؟ كان الخير كلّه إرادة إذا ، وكلّ ما فيه يريد . كما أنّه لم يكن قبل الإرادة شيء قطّ ، / فكان هو الإرادة أوّلا . ثمّ إنّه كان مثلما أراد أن يكون على الوجه الذي أراده ، وكان ما تبع الإرادة هو الذي أبدعته إرادة من هذا الطّراز . على أنّها لم تبدع فيه شيئا جديدا ، إذ إنّه كان هو ذاته ما قام عليه في ذاته . أمّا القول عن الخير إنّه ممسك لما كان عليه في ذاته ، فيجب أن نفهم معناه ، إن تحرّينا الصّواب في النّطق ، / أنّ الخير هو الرّكن للأشياء بقدر ما كانت الأشياء حقّا . إنّما تكون حقّا بمعنى أنّها تشاركه في كونه وإليه تردّ كلّها . أمّا الخير فهو منبثق من ذاته ، فلا يحتاج إلى ما يمسكه أو يشركه في كونه ، بل كانت الأشياء بما كان هو عليه في ذاته . أو بألّا يكون قطّ شيئا أحرى لأنّه لا يحتاج ليستوي على ما كان عليه في ذاته ، إلى شيء من الأشياء . فعند ما تذكره / أو تتصوّره دع عنك كلّ ما سواه . فإذا خلعت عنك الأشياء كلّها وتركته هو وحده ، لا تبحث عن شيء تضيفه إليه بل عن الذي ربّما لم تجرّده منه في تصوّرك له . وقد يسعك أن تدرك أنت بذاتك أمرا لا يتّسع لشيء آخر يقال فيه أو يتصوّر . وهو أمر تعالى في استوائه ، / فكان وحده الحرّ المستقلّ حقّا إذ لم يكن خاضعا حتّى لما استوى عليه في ذاته ، بل كان هو ذاته فقط ، وهو ذاته حقّا ما دام كلّ شيء من الأشياء الأخرى هو ذاته وغيره أيضا .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 688
مساهمون: أفلوطين
ص٦٨٨