مع بعض في ذاته وكأنّه منتظم في الوحدة . ذلك بأنّ شيئا ذا كثرة ، منتظم بعضها مع بعض ، وذا وحدة تنفذ خلال الكلّ وتضبطه كلّا وهو بنى معنويّة ، / فلن يقوم جميعا على ما كان بمجرّد المصادفة والاتّفاق . بل شتّان ما بين طبيعة من هذا الطّراز وبين ما يخالفها بقدر ما بين البنية المعنويّة والاتّفاق القائم في الخلوّ من البنية المعنويّة وفي الفوضى . وإن كان ما قبل هذا الروح هو الأصل ، أقام هذا الأصل لا محالة في جوار الروح الذي أبدع على ما كان عليه في بنيته المعنويّة ، فغدا الروح ، وقد أحكم في بنيته المعنويّة على مثال ذلك الأصل ، آخذا منه ، / قائما على الوجه الذي يريده أصله وغدا لهذا الأصل قوّته . كان هذا الأصل منزّها عن الامتداد إذا ، وهو المعنى الفرد المنطوي على الأشياء كلّها ؛ إنّه وحدة هي العدد ووحدة تفوق ما أبدع جلالا وقوّة ، وليس من شيء في جلاله وحسنه . لم يستمدّ من غيره كونه حقّا ولا كونه على ما هو عليه في صفته . إنّه بذاته على ما كان عليه في ذاته ، / وهو متوجّه إلى ذاته ، منعكف على ذاته في باطنه ، حتّى يتمّ له بذلك الّا ينظر إلى الخارج أو إلى غيره ، بل يتوجّه كلّا ، إلى ما كان عليه في ذاته .
18 فإذا طلبته لا تطلب شيئا خارجا عنه ، بل كلّ ما تأخّر عنه إنّما يكون مستقرّا في باطنه . أمّا هو فدعه وشأنه . فإنّه ، هو ، كلّ ما كان خارجا عنه ، وهو الإحاطة بالأشياء كلّها وقياسها . أو إنّه بالأولى من الأشياء في بواطنها . وما كان خارجا عنه ، فكأنّه يدور من حوله متّصلا به وبه يتعلّق ، وهو العقل والروح . بل الأحرى بالقول هو إنّ / الروح روح باتّصاله بأصلنا وعلى قدر ما كان به متّصلا ومتعلّقا ، ما دام آخذا من ذلك الأصل كونه روحا حقّا . إنّ الدائرة تتّصل بالمركز ونتصوّرها على أنّها تستمدّ قوّتها من المركز . وكأنّي بها في مثال المركز بقدر ما تتّجه أشعّتها إلى المركز وتتّحد فيه ، / فيجعل كلّ منها طرفه من جهة المركز بحيث يكون بمنزلة الذي تسير إليه وتكاد تنبعث منه ، على أنّ هذا المركز أعظم ممّا كان من قبيل الأشعّة وأطرافها . لا شكّ في أنّ الأطراف تقع وكأنّها المركز ، ولكنّها مطموسة حدودها ، فكأنّها للمركز أثره ما دام المركز ، باتّساعه للأطراف ، / يتّسع أيضا للأشعّة التي تنطوي عليه ، مهما كان مداها . فيظهر المركز بوساطة الأشعّة على الوجه الذي كان عليه وكأنّه ينبسط فيها بدون أن يكون قد انبسط . كذلك ينبغي لنا أن نتصوّر الروح والحقّ . إنّما ينبثقان من الخير وكأنّهما منه يندلعان وينبسطان ، على أن يبقيا متعلّقين / بحقيقة الخير النورانيّة . فيدلّان على ما يكاد يقوم في الوحدة روحا وهو ليس بروح ، إذ إنّه واحد أحد . تلك هي الحال في مثلنا . ليس المركز هو الأشعّة أو الدائرة ، بل هو للدائرة وللأشعّة أبوهما . فإنّه ينفح من آثاره ويستند إلى قوّة ثابتة فيه وبقدرة ما يولّد الدائرة وأشعّتها ، ثمّ لا تنفصل هي عنه انفصالا تامّا . / كذلك يجب أن نتصوّر الخير محضا ما دامت
تاسوعات أفلوطين — صفحة 685
مساهمون: أفلوطين
ص٦٨٥