القول أنّ الخير أبدع الذات فقط ، بل إنّه ليس خاضعا للذات ولا لما استوى عليه في ذاته أيضا . / كما أنّ الذات ليست أصلا ، بل هو الذي أبدع الذات فلم يبدعها لما كان هو عليه في ذاته ، بل أبدعها وتركها خارجة عن ذاته ، ما دام غير محتاج إلى أن يكون حقّا هو الذي جعل الأشياء تكون حقّا . ولم يبدع بالتالي ما كان حقّا ، بكونه هو ما استوى عليه في ذاته .
20 ما ذا إذا ؟ ربّ قائل يقول : ألا ينتج عن ذلك الذي سبق أنّ الخير ينشأ بعد أن كان قد نشأ ؟
فإن أبدع « ما كان هو عليه في ذاته » ، أبدع ذلك ولمّا يكن حقّا ، ولكنّه كان حقّا بكونه متقدّما على « ما كان عليه في ذاته » ما دام هو الذي أبدع . ينبغي أن يقال لهذا القائل إنّه يجب في الخير الّا يصنّف مبدعا ، بل مبدعا بمعنى أنّ إبداعه / إبداع « منفكّ » ليس الغاية منه تسوية شيء آخر كان من الخير من بعثا ، بل الغاية هي تحقّق الخير . وهو تحقّق لا يتمّ عملا ، بل هو الخير بالذات كلّا . فلا ينطوي الخير على اثنينيّة بل يقوم وحده في فردانيّته . يجب ألا نخشى على التّحقّق الأوّل من جعله لا ذات له : إنّما ينبغي أن يمسي هذا التّحقّق / وكأنّه هو ذاته قيامه في ذاته . فإن افترضنا قياما في الذات لا تحقّق له ، كان الأصل ناقصا وأصبح النّقصان شأن الأكمل في الأشياء أكملها . ولكن إن أضفنا التّحقّق إليه سلبناه أحديّته . إن كان التّحقّق أمرا أكمل من الذات إذا ، وكان الأكمل هو الأوّل ، أمسى التّحقّق هو الأوّل . فإذا حقّق كان / هو تحقّقه حقّا ، ولم يكن بمعنى أنّه كان قبل أن ينشأ . ففي لحظة تحقّقه لم تكن لحظة قبل أن ينشأ ، بل كان هو قائما كلّا .
ولما لم يكن التّحقّق فيه خاضعا للذات ، كان هذا التّحقّق منطلقا خالص الحرّيّة واستوى هو على حاله بما كان عليه في ذاته . فإن كفل له غيره كونه حقّا ، بطل كونه الأوّل المنبثق ممّا كان عليه في ذاته . / وإذا صدق القول فيه إنّه هو الممسك لما كان عليه في ذاته ، أمسى هو الذي أمدّ ذاته بما كان عليه في ذاته . ذلك بأنّ ما استوى ممسكا للشّيء طبعا ، كان في الأصل هو الذي أقام هذا الشّيء في كونه حقّا . فلو كان زمان ابتدأ معه الخير في كونه حقّا ، لحقّ القول في الخير إنّه أبدع ذاته . أمّا إن قام هو على ما كان عليه في ذاته وما كان أزل ، / وجب أن نتصوّر إبداعه لما استوى عليه في ذاته بمعنى أنّ هذا الإبداع والخير ذاته هما أمر واحد على السّواء . فكونه حقّا إنّما هو إبداعه وما كأنّه ولادته الأزليّة . ممّا يؤدّي إلى القول فيه إنّه هو المتصرّف بما كان عليه في ذاته . فلو كان باثنين لأطلق هذا القول عليه بالمعنى الحقيقيّ ؛ ولكنّه ما دام منفردا صحّ فيه القول إنّه المتصرّف فقط إذ إنّه ليس لديه ما يتصرّف به . وكيف يكون هو متصرّفا ولم يكن ما يتصرّف به ؟ ألا ، إنّما يقال المتصرّف هنا نظرا / لما كان قبل الخير كان ، لأنّه كان الخير وما كان شيء قبله . وإن لم يكن شيء قبله ، كان هو الأوّل . ولست أعني الأوّل بالرّتبة بل بالرّبوبيّة وبالقوّة وهما الاستقلال الحرّ في صفوته . وإن كان الاستقلال هنالك في صفوته ، فلا مجال
تاسوعات أفلوطين — صفحة 687
مساهمون: أفلوطين
ص٦٨٧