قيامها في الذات مقرونا بما قامت عليه في ذاتها . ويستطيع من يشاهد حقيقة من هذه الحقائق بعد ذلك أن يذكر « لم كان » كلّ عنصر من عناصرها : لم كانت العين مثلا ، أو « لم كانت » هذه الأقدام أو تلك لهذا أو لذاك . ثمّ إنّ السّبب يولّد في كلّ أمر كلّ جزء من أجزائه فيكون / بعض هذه الأجزاء سببا لبعضها الآخر . « لم كانت » طول الأقدام كذا ؟ كان ذلك لأنّ جزءا آخر كان في وضع معيّن . ولأنّ للوجه كيفه الخاصّ ، كانت للأقدام حالها الظاهرة . وإنّ تناسق الأجزاء جميعا بعضها مع بعض هو الذي يجعل بوجه عامّ بعض الأجزاء سببا لبعضها الآخر . فإذا ورد السّؤال عن الجزء « لم كان » ، أجيب لأنّه هذا هو الحقّ إنسانا . فبات كون الشّيء حقّا هو سببه وغدا الطّرفان شيئا واحدا . / كلّ هذه الأحوال إنّما جاءت على هذا النّحو من معين واحد لم يعط عطاءه بحساب بل أمدّ بالكلّ دفعة واحدة ، فأعطى الحقائق « لم كانت » وكونها حقّا . كان إذا مصدر كون الأشياء حقّا ومصدر « لم كانت » الأشياء حقّا في آن واحد ، إذا كان هو الذي أمدّ الأشياء بهما كليهما . ولكن مهما كان الطّراز الذي جاءت عليه هذه الأمور كان مصدرها من طراز أصدق أصلا وأشدّ حقّا وأجدر منها بأن يكون هو الخير في مقامه الأسنى . / إنّ شيئا مشتملا في ذاته على سببه إذا لن يكون بالاتّفاق والمصادفة ولا يصحّ فيه « أن يكون بالعرض » ، بل هو آخذ كلّ ما لديه من الأصل الأوّل . فهو الذي ولد العقل والسّبب والذات التي كانت للأسباب سببا ، ما دامت الأشياء بعيدة عن الكون بالاتّفاق . فلا غرو إن كان هو الأصل ، وبمنزلة القياس الأوّل لكلّ ما لم يكن بينه وبين الاتّفاق مشاركة . / هو الأصل حقّا والأوّل ، لا يتخلّله اتّفاق ولا وقوع عفوي ولا عرضي : كان هو لذاته سببا ، فكان من تلقاء ذاته وبذاته . إنّه كان أوّلا هو ذاته ، وهو فوق القول الحقّ فيه إنّه هو ذاته .
15 ثمّ إنّه في آن واحد هو المعشوق والعشق بالذات والعشق ( لما كان عليه في ذاته ) ، إذ إنّه لم يكن حسنا إلّا من تلقاء ذاته وفي ما كان عليه في ذاته . ذلك بأنّه لا يتمّ له اتّصال بما كان عليه في ذاته ما لم يكن هو المتّصل والمتّصل به شيئا واحدا بالذات . أمّا إذا بات المتّصل والمتّصل به شيئا واحدا ، أو اتّحد لديه ما كأنّه الراغب / والمرغوب فيه على أن يكون المرغوب فيه بمنزلة القيام في الذات وكأنّه المحلّ ، ظهرت منّا الرّغبة والذات كلتاهما من بعد أنّهما أمر واحد . وإن كانت هذه الحال حاله ، عدنا إلى القول فيه إنّه هو الذي أبدع ما كان عليه في ذاته وبات المتصرّف وليّا بما كان عليه في ذاته ، فلم يكن على ما أراده غيره بل على ما أراده ذاته هو ذاته . /
ثمّ إذا قلنا إنّه لا يتلقّى فيه شيئا وإنّ شيئا لا يتلقّاه ، جعلناه بذلك ، وهو حينئذ مبرّءا عن المصادفة . لا لأنّا نعزله وننزّهه عن كلّ شي وحسب ، بل لأمر آخر أيضا . وهو أن نتبيّن يوما في ذواتنا حقيقة ما تكون على تلك الحال ، وهي في براء من كلّ ما يلحق بنا ونحن نتعرّض للانفعال
تاسوعات أفلوطين — صفحة 682
مساهمون: أفلوطين
ص٦٨٢