وللمصادفة . / كلّ ما لدينا مما سواها إنما يكون من صنع المصادفة خاضعا لها وكأنه به يقع :
فالتصرّف بالذات والاستقلال بالعمل إنّما يتحقّقان بهذا التّحقّق وحده ، الذي يستوي نورا هو « الخير بمثال » ، وهو خير أعظم ممّا كان من / قبيل الروح ، لم يكن استواؤه فوق العرفان أمرا ورد عليه اكتسابا . فإذا ارتقينا إلى تلك الحقيقة وأصبحنا في حالها وحدها ، وتخلّينا عمّا سواها ، فما عسانا نقول فيها سوى إنّا أصبحنا بها أعظم من أن نكون أحرارا وأعظم من أن نمسي مستقلّين بذواتنا ؟ فمن ذا الذي يخطر إليه عندئذ أن ينسبنا بما نحن عليه في ذواتنا إلى الاتّفاق أو المصادفة أو الحدوث عرضا ؟ لقد أصبحنا الحياة / الحقّة بالذات أو حللنا فيها وهي التي لا تشتمل على شيء سواها بل تستوي قائمة وحدها في ذاتها ؟ وكلّ أمر سواها ، إذا حصر في ذاته ، فإنّه ما يكفيه ويغنيه عن غيره حتّى يكون حقّا . أمّا هي ، فتستوي ، محصورة في ذاتها ، على ما كانت عليه في ذاتها .
إنّ القيام في الذات أصلا لا يكون في غير ذي نفس أو في حياة لا عقل لها ؛ / وإلّا لكان عاجزا عن أن يكون حقّا ما دام آنذاك ، في ذاته ، فوضى وعقلا شتيتا . فمهما تقدّمت نحو ما كان عقلا خلعت عنها ما كان اتّفاقا ، إذ إنّ ما كان من قبيل العقل لم يكن بالاتّفاق . صحيح أنّ ما يقابلنا في ارتقائنا ليس عقلا ، ولكنّه خير ممّا كان عقلا . فإنّه بعيد عن الحدوث بالاتّفاق على قدر ما كان مستويا في حاله . منه ينبعث العقل في جذوره وإليه / تنتهي الأشياء كلّها . مثله مثل الأصل والجذم لدوحة عظيمة كفلت لها حياتها بنية معنويّة محكمة . وهما أصل وجذم على حاليهما باقيان في ذاتيهما قائمان يمدّان الدّوحة لكي تستوي وفقا للبنية المعنوية التي تلقّتها .
16 هذا وما دمنا نقول في الخير إنّه يبدو قائما في كلّ وجه من الوجوه كما أنّه لا يبدو في وجه قطّ ، لم يكن بدّ من أن ننظر في الأمر لنتبيّن الحال التي يجب أن نتصوّرها ما هي من وراء تدقيقنا في البحث حول ما نحن بصدده . ذلك بأنّه إن لم يكن في وجه قطّ ، لم يتّفق له قطّ أن يكون في وجه من الوجوه . وإن كان في كلّ وجه من الوجوه ، بات في كلّ وجه من الوجوه بالقدر الذي عليه كان . / ممّا يؤدّي إلى أنّه هو الذي كان الوجوه كلّها والأحوال كلّها ، بمعنى أنّه ليس ثابتا في الوجوه كلّها بل إنّه هو الذي يمدّ الأمور الأخرى بأن تكون في كلّ وجه من الوجوه على حال المجاورة . إنّه ذو المقام الأعلى ، أو بالأحرى إنّه ليس صاحب المقام الأعلى بل كان هو ذاته الأعلى . فباتت الأشياء كلّها خاضعة له . فلا يلزمها هو عرضا ، ما دامت هي التي تلزمه ، / وأولى بها الّا تدور حوله بمعنى أنّه ينظر هو إليها بل بمعنى أنّها هي التي تنظر إليه .
أمّا هو فكأنّه متوجّه إلى باطنة في ذاته وكأنّما يقرّ عينا بما كان عليه في ذاته ، أعني بالنور في صفائه ، إذ إنّه هو بالذات ذلك الأمر الذي يقرّ به عينا . وهذا يعني أنّه هو الذي جعل ذاته قائما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 683
مساهمون: أفلوطين
ص٦٨٣